اليهوذايّون

 

توون تيليخن*

 

ترجمة: ميادة خليل

[اخترت هذه القصة من مجموعته القصصية “القطار المتجه نحو بافلوفسك وأوستفورنه” الصادرة عام 2018، حيث ضمت كل القصص التي رواها جده المهاجر له (أو كان يمكن أن يرويها)]

 

في الشتاء غالباً ما كانت الغرفة الخلفية حيث يجلس جدي مظلمة. ليس ثمة ضوء فيها إلا لمبة صغيرة خافتة، 20 واط كحد أقصى، تتقد في زاوية على طاولة إلى جانب الأقداح.

جدي كان يجلس خلف الطاولة، يعبث بغليونه ويحشوه بالتبغ بين الحين والآخر. وحين أدخل الغرفة لا أرى سوى بياض لحيته.

حين يحكي لي عن أمر ما، أجلس دائماً على الكرسي نفسه، إلى جانب الطاولة، أمامه على نحو مائل، أتابع وكلي آذان صاغية العبث بغليونه وكشط تجويفه.

حدثني ذات مرة عن الجروح (الستيغما)؛ ظهور جروح المسيح في الجمعة العظيمة، في وقت وضع أكليل الشوك على رأس المسيح وتسمير يديه وقدميه. إذ تتدفق كل عام دماء حقيقية جديدة من جروح حاملي جروح المسيح.

لكنهم لا يموتون جراء ذلك ولا يُبعثون.

سألته إن كان ثمة شخص لديه جروح في جنبه، في المكان حيث غرز الجندي الروماني سهمه فيه. لم يكن يعرف الإجابة (في وقت لاحق رأيت لوحة لكارافاجيو يظهر فيها فرنسيس الأسيزي مع جرح على جنبه).

إنها مظاهر لم تجد لها كنيسة الكاثوليك الرومان مخرجاً ولم تكن مسرورة بحدوثها، كما قال جدي. دجلٌ كان من الصعب منعه مع وجود الكثير من القديسين.

قال بأنه لم يسمع أو يقرأ من قبل قط عن ظهور جروح المسيح على شخص ما في روسيا. “كان من الممكن أن يحدث ذلك” قال جدي، “كان من الممكن أن يحدث إلى حد بعيد”.

ثمة أمر مختلف حدث في روسيا في الأزمان الماضية، خلال الأسبوع المقدس.

وضح جدي بأن فترة الصيام في روسيا القديمة كانت أهم فترة من العام. إذ يصوم الكثير من الناس على نحو صارم حتى أنهم يمرضون أو يموتون جوعاً. وآخرون يضربون أنفسم ويخدشون أنفسهم بأظافرهم حتى ينزفون أو يطبقون على أنفسهم أنواعاً أخرى من التعذيب.

وفي الأسبوع الأخير من الصيام؛ الأسبوع المقدس، يشعر المرء بتصاعد التوتر في روسيا، لأن المسيح سيُصلب! سيترك الناس وحيدين بعده!.

غير أنه في ليلة الفصح المقدسة سيحيا من جديد، ومن أجل ذلك يصلي المرء بحماس.

في كل عام يعم خبر في قرى بلاد روسيا الشاسعة، ولمرات قليلة في المدن، بأن رجالاً قد شنقوا أنفسهم في الجمعة المباركة، تماماً كما شنق يهوذا نفسه. ذاك لشعورهم بندم شديد على الصلب الذي يظنون بأنه حدث جراء خيانتهم للمسيح، وبأنهم السبب وراء اقتياد المسيح إلى بيلاتوس.

تحت أقدام أولئك المشنوقين ثمة كوبكات مطلية بالفضة، موزعة على الأرض.

تُقطّع الجثث من قبل أولئك الذين يعثرون عليها وترمى للكلاب، خارج القرية. لأنه جسد يهوذا. لكن حول يهوذا ثمة حديث يدور برهبة شديدة: إنه كان قديساً أيضاً. وربما يفكر آخر بأنه قد قَبل المسيح على أية حال.

زادت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مثل تلك الأفعال. وأدى ذلك إلى استياء القديس سينودوس، قديس الكنيسة الروسية، لأن هناك يهوذا واحد، كما أن هناك مسيح واحد ورب واحد. وأن هذا اليهوذا قد شنق نفسه في صباح الجمعة العظيمة في أورشليم.

في عام 1885 أُعلن منع سلب الحياة منعاً باتاً. ذاك أن في عام 1884 شنق أكثر من مئة شخص من الذين يُعرفون باليهوذايين أنفسهم.

لكن ما هي العقوبات الصادرة ضد من ينتهك ذلك المنع؟ هل ستحضى جثة المشنوق بجنازة كنسية، أم يُغدق عليه من أوسمة الشرف؟

ظل عدد اليهوذايّون يزداد باستمرار.

وتلقى حينذاك جميع القساوسة في روسيا رسالة سريّة.

كان ذلك في العام 1889؛ الناس في جميع أنحاء روسيا، وكما المعتاد، يترقبون ليلة الفصح المقدسة مع خوف كبير.

في الجمعة العظيمة من ذلك العام شنق الكثير من الرجال أنفسهم (الأمر دائماً يتعلّق بالرجال فحسب)، أكثر من أي وقت مضى.

وفي كل القرى التي شهدت ذلك، حدثت في ليلة الفصح أمور فظيعة.

فعند منتصف الليل والكنائس مكتظة بالناس والجميع ينتظر نبأ قيام المسيح مع قلوب تخفق بشدة، لم يحدث أي شيء! وخيّم السكون والظلام على الكنائس. ولم ترن النواقيس، ولم توقد الشموع. برز قس واحد وسط الظلام في الكنيسة، ووقف أمام الحاجز الأيقوني، وقال: “لم يقم المسيح” ثم وقف قس آخر خلفه مباشرة وأجاب: “إنه لم يقم حقاً”.

ألقى الناس أنفسهم على الأرض، ومزقوا ثيابهم، وبكوا، ونادوا الرب. ورغم ذلك ظل الظلام ولم ترن النواقيس.

عاد الناس تلك الليلة إلى بيوتهم حزانى. ورموا البيوض الملونة وطعام الفصح خاصتهم ولم يأكلوا شيئاً.

وضح لهم القساوسة في اليوم التالي لماذا لم يقم المسيح في قريتهم: “يهوذا واحد كان كافياً” قالوا.

خيّم الظلام على تلك القرية ومثيلاتها طوال عام كامل. بعض سكانها غادروا بعد أن أحرقوا منازلهم، وآخرون جلدوا أنفسهم حتى نزفوا أو صاموا حتى الموت.

“تلك القرى موزعة في أرجاء روسيا مثل ندوب الجدري” قال جدي.

عام 1889 كان عاماً أسود في تاريخ البلاد.

غير أن الكنيسة كانت عقلانية في قصر العقاب على القرى. أما المدن، حيث شنق رجال أنفسهم أيضاً في الجمعة العظيمة، ووُزعت ثلاثين كوبيكاً على الأرض، لم تتعرض للعقوبة ذلك العام. ذلك العام فحسب، كما حذروا الناس. لأن حتى موسكو ستتعرض للعقوبة إذا اقتضى الأمر.

لذا أصبح المرء ينتظر فترة الصيام القادمة والجمعة العظيمة القادمة مع توتر رهيب.

لكن في عام 1890 لم يشنق أحداً نفسه. فمن يشعر بالندم مثل يهوذا ويريد التكفير عن ذنبه، يمكنه القيام بأمر واحد فقط: أن يبقى على قيد الحياة.

وفي الأعوام التي تلت  1890 لم يقم أحد بمثل تلك الممارسات.

“الروسي قادر على فعل كل شيء” قال جدي، “لكنه يعرف دائماً ماذا يفعل”

تركت لدي القصة انطباعاً عميقاً، كما هو الانطباع الذي تركه قبل ذلك تاريخ يهوذا وخيانته.

أصبحت أفكر كثيراً في الخيانة بعد ذلك، وربما كنت لا أخاف من أي شيء سوى فكرة أن أخون شخصاً ما في يوماً ما، حتى لو حدث ذلك دون قصد أو إدراك.

“لقد نجحت الكنيسة في إحداث التغيير” قال جدي. “حوالي ألفين عام وقت طويل جداً لكي يحدث ذلك”.

كنا نقضي أيام عيد الفصح دائماً في بيت جدي في لايدن. نأكل البيض الملون وطعام الفصح مع السوكاده* والزبيب، ونُقبّل كل من جدي وجدتي على خديهما ونقول: “قام المسيح” و”إنه قام حقاً”.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*توون تيليخن كاتب وشاعر هولندي.

**حلوى من قشور الحمضيات، وبالاخص من ثمرة السترون.

 

 

 

 

 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: