امرأة في برلين

 كتبها: د. محمد حمدان
مارتا هيلرز 1911 – 2001 هي صحفية ألمانية قادها حظها العاثر لتتواجد في برلين في الفترة التي لم يعد بإمكان أحد الخروج من برلين قبيل إجتياح القوات السوفييتية للمدينة في نهاية الحرب العالمية الثانية.. وقد تمكنت من تسجيل مذكراتها في الفترة المؤرخة ما بين 20 من أبريل إلى 22 من حزيران من العام نفسه.. لتنقل لنا الحياة في برلين خلال ثمانية أسابيع قضتها في أوائل أيام معركة برلين وأواخر أيام الحرب العالمية الثانية في ألمانيا.. وبرلين خاصة. كانت هيلرز فتاة مثقفة، درست في جامعة السوربون الفرنسية الشهيرة وتنقلت في أرجاء أوروبا.. وعلى علاقة منتظمة بشاب ألماني اسمه غيرد والذي لولا الحرب لربما كانت قد تزوجت به. استدعي غيرد للخدمة العسكرية عام 1939 ولم يعد إلا بعد انتهاء الحرب.. حيث قضى الحرب في الجبهة الغربية.
نشرت هيلرز هذا الكتاب لأول مرة بعد زواجها وخروجها من ألمانيا لتستقر في سويسرا عام 1954 تحت اسم مجهول.. وهذا لم يعفِ الكتاب من أن يتعرض لانتقادات شديدة في ألمانيا على أنه يدنس شرف المرأة الألمانية ! وقد قررت هيلرز بالتالي عدم السماح بنشر طبعات إضافية من الكتاب في حياتها.
يبدأ الكتاب في أول يوم من معركة برلين في 20 من أبريل، حيث بدأت المدفعية الروسية الثقيلة في قصف عاصمة الرايخ الثالث.. وقد تعمد الروس بدء المعركة في ذلك اليوم بالتحديد نظراً لكون يوم ميلاد الفوهرر ! تصف هيلرز حال سكان برلين في تلك الأثناء بينما تصل إلى مسامعهم إشاعات متضاربة.. عن تقدم القوات السوفييتية باتجاه برلين وهذا ما يؤكده اقتراب أصوات المدفعية التي أصبحت تقصف برلين ليل، نهار، وأخبار تقدم جيشين ألمانيين لانقاذ المدينة من الشمال والجنوب. الشائعات التي تتحدث عن الفظائع التي ترتكبها القوات الروسية في كل الأراضي الألمانية التي تسقط في أيديهم.. من إغتصاب وتنكيل.. وكان البعض يظن أن النازيين يروجون هذه الشائعات من أجل دفع الرجل إلى المزيد من المقاومة للدفاع عن نسائهم.. أما البعض الآخر فقد كان يعلم هذا الكلام يقيناً وعن خبرة، كتلك الفتاة العشرينية المسكينة اللاجئة من مدينة كونيغسبرغ في بروسيا الشرقية والتي سقطت في أيدي الروس أوائل أبريل. عدا عن هذه الشائعات، كانت الحياة، في ذلك الوقت تقتصر على الشعور بالجوع الذي يقود الناس للإنشغال بالبحث عن الطعام أو تناول الطعام، والهروب من الموت المجاني الذي ينزل من السماء إلى الملاجيء..
تظل الأمور كذلك بينما يقترب الروس من المدينة.. ويستمر هذا حتى اليوم 27 من أبريل وهو اليوم الذي بدأت فيه المأساة بالتفاقم. فقد دخل طلائع القوات الروسية المدينة ووصلت الحي الذي تسكن هيلرز فيه.
لم يضع الأيفان كما يسميهم الألمان وقتهم أبداً.. وبمجرد أن وجد أول جندي روسي القبو الذي كانت هيلرز تختبيء فيه حتى بدأت محاولات جذب النساء من بينهم لغاية واحدة.. إنهن ببساطة، غنائم الحرب.
بدأ الأمر بزوجة الخباز والتي نجحت هيلرز في حمايتها بمعرفتها بالقليل من اللغة الروسية وتكرر الأمر وتكررت تدخلات هيلرز حتى لربما ضاق الجنود الروس منها ذرعاً لتكون هي أول ضحية جماعية.. خلف باب الملجأ المغلق من الداخل.. حيث أقفله زملائها في القبو تاركينها لمصيرها مع جنديين يتناوبان عليها بينما كان زملائها يسمعون صرخات من خلف الباب.
إن أول مرة -كإغتصاب-، تكون هي الأصعب دوماً. ولذلك وبعد أن أنهى الجنديان مهمتهما معها.. قامت وطلبت من زملائها أن يفتحوا الباب فقد رحل الجنود.. وتبدأ بتأنيبهم بتركها هكذا.. دون أن تلقى شيئاً مقنعاً منهم إلا التعاطف من بعض النساء.
في ذات الليلة، تتعرض الشقة التي تسكن فيها هيلرز مع أرملة في الخمسينات من عمرها للإقتحام من مجموعة من الأيفان.. وقد خرجت الأرملة كي تستنجد بأحد ما.. وتحاول هيلرز الهروب ليمسك بها أحدهم، فترتجي منه أن يجعلها لنفسه فقط، وأن يوفر عليها مشاركتها مع الجنديين الآخرين.. بينما يوافق الجندي الفلاح على طلبها هذا بكل سرور.
تتعرض الأرملة بدورها في الخارج إلى الإغتصاب كذلك من جندي روسي مراهق على ما يبدو. إنهم لا يوفرون أحد.. فتاة صغيرة، أو عجوز.. لا يهم. أحد الفتيات تناوب عليها عشرين جندياً في ليلة واحدة.. كان كل واحد منهم يقف منتظراً دوره. تلك الفتاة الهاربة من كونيغسبرغ لم تتحمل أن يتكرر ما حدث معها في مدينتها الأصلية.. فخطفت مسدساً وهربت به حيث رجح الجميع أنها ستنهي حياتها البائسة به. فتاة أخرى، ألقت بنفسها من الطابق الثالث هرباً من الأيفان.. دفنوها في حديقة البناية. بعد تكرر حالات إغتصاب هيلرز تقرر أن تجعل نفسها محظية لأحد الضباط على أمل أن يوفر لها الحماية من أن تكون مشاعاً لمن يشتهي من الجنود الروس. وقد نجحت في ذلك. ومن المدهش حقاً، في كل هذه الأحداث عدم تدخل أي من الرجال الألمان للذود عن نسائهم.. عدا حالة يتيمة سجلتها هيلرز.. حين قام أحد أعضاء الحزب النازي السابقين بالتصدي لجندي روسي كان قد أخذ زوجته.. وللمفاجأة، أن هرب الروسي من أمام الزوج الغاضب والذي كان صوت صراخه قد أسمع كل البناية ! تتحدث هيلرز فيما بعد عن كيفية تناقل الرجال لهذه الحادثة وكيف كانوا يتحدثون عن الزوج الغاضب باحترام بالغ. حاولت هيلرز أن تتفهم الرجال الروس في محاولاتها المتعددة لتوفير الحماية لنفسها من حكم المشاع.. وكانت تفاجأ في عدم وجود الشهامة بين الروس، فهم أكثر وداً بين الرتب المختلفة عما هو الحال بين الألمان. إلا أن الضابط كأناتول نجح إلى حد ما في حمايتها واتخاذها لنفسه -طالما كان في الجوار- وبينما لا يكون، تتعرض لاغتصابات من جنود آخرين.
سجلت هيلرز ملاحظاتها أنه توجد قلة نادرة جداً من المثقفين بين الجنود الروس بينما كان المعظم أقوياء، أشداء، تغلب عليهم البلاهة والفظاظة، وعزت ذلك إلى كونهم كانوا من الفلاحين، وحتى أنها عزت سلوكهم الهمجي مع النساء لتوافر الخمر في كل مكان، بعد أن أصدرت القيادة الألمانية بترك الخمور خلفها في الأراضية المحتلة وذلك لأنها لاحظت بأن للخمر تأثيراً مثبطاً لعزيمة الجنود الروس على القتال.. ولكنه، وكما تقول هيلرز كان يحولهم إلى حيوانات ماجنة مع النساء. لا أدري حقاً، إن كان ذلك مبرراً مقبولاً أو يمكنه حقاً تفسير مثل هذا السلوك. ولعلي هنا، أعقب بأن هناك شعور عارم بالهزيمة لدى الألمان في تلك الأوقات. شعور جعلهم خاضعين، وخنوعين لدرجة لا توصف.
لقد تحدثت هيلرز كيف أن الروس كانوا يأخذون الزوجات والبنات من أمام أزواجهن وآبائهن وكان يقول هؤلاء: حباً في الله، اذهبن معهم ! فأي شعور عارم من الممكن أن يولد مثل هذا السلوك بين رجال يفترض بهم ولو القليل من النخوة ؟ قال البعض مبرراً بأن الألمان كذلك فعلوا ذات الشيء في الأراضي المحتلة. وحقيقة، لا أدري إن كان صحيحاً بهذه الدرجة.. أم هو مجرد عقلنة لهذا السلوك العام من الخنوع. ولو فرضنا جدلاً صحة قيام الجنود الألمان بأفعال مشابهة، هل هذا يبرر سكوتك عن إغتصاب زوجتك امامك ؟ أو حتى بمعرفتك ؟ تتحدث هيلرز عن غريزة البقاء لربما، تكون الدافع لمثل هذا السلوك.. أو كما قال لها روسي مرة بينما كانت تدرس في روسيا أن الألمان رجال يخشون مخالفة القانون، أي قانون، وبما أن الأيفان قد انتصروا، إذن، فهم القانون الجديد.. الذي يبيح لنفسه كل شيء، حتى زوجتك، وابنتك.
قام الكثيرون من الألمان باخفاء بناتهن العذارى للمحافظة عليهن، وكان ذلك يتطلب الكثير من الجهد. وقد بدأت الأمور في التحسن بعد أسبوع تقريباً.. وبعد أن انتهت الحرب رسمياً في أيار، بدأت الأمور تتحسن بشكل مطرد، عدا الشعور بالجوع بالطبع. وحين أصبح بالإمكان التجول في المدينة المدمرة، وأصبح بإمكان هيلرز الإجتماع مع صديقاتها اللواتي يسكنّ في مناطق مختلفة من المدينة.. كان السؤال الأكثر شيوعاً بينهن: كم مرة ؟ وتتراوح الإجابة من واحدة إلى أخرى، بينما كانت هيلرز تجيب، لا أدري، لقد كنت أنتقل بين الجنود والرتب.
تعرضت مائة ألف امرأة ألمانية للإغتصاب في تلك الفترة.. سجلت الكثير من حالات الإنتحار، والإجهاض، وحتى حالات الولادة، من آباء روس. ناهيك عن الأمراض الجنسية التي تركها الجنود الروس كتذكار في أجساد الكثير من ضحاياهم.
الكثيرات كانت بالنسبة لهن أول مرة -عذراوات- وبالتالي، فقد عكسن ما حدث معهن إلى حالة من القرف من الرجال كلهم. بينما كان من الملاحظ كيف أن أخريات كانوا يسخرن من الروس بطريقتهن الخاصة، وقد دا ذلك كنوع من الترويح أو التعويض النفسي عما حدث لهن.
حين عاد غيرد، قدمت له هيلرز هذه المذكرات ليقرأها، وكم أدهشتني ردة فعله، حين رفض أن يتفهم ما مرت به هيلرز. وقد تركها فيما بعد. لم يستطع أن يتقبل حقيقة تعرض هيلرز للإغتصاب المتكرر أبداً.
توقفت طويلاً عند هذا الإقتباس الذي كتبه ناشر الكتاب وهو ألماني ومروج سابق للرايخ الثالث.. وأصبح يكتب باسم مستعار بعد الحرب وكان هو من أقنع هيلرز بنشر الكتاب: من يستطيع -وهو يواجه مثل هذا المصير الإجتماعي- المطالبة بحق استخدام المعايير الأخلاقي، الذي نادراً ما ينطبق على الفرد ؟ لم يكن يوجد أي رجل، يمكنه ذلك؛ لأن هناك الكثير قد ماتوا، بسلاح محشو بالرصاص موجه نحوهم، كانوا يجبرون على أن يقولوا لزوجاتهم أو بناتهم: اذهبي، بحق السماء. وأولئك الذين لم يروا -أبداً- سلاحاً محشواً بالرصاص موجهاً نحوهم- من الأفضل أن يبقوا أفواههم مغلقة. وأيضاَ لا تملك أي امرأة الحق في قول رأيها، إلا إذا هم أنفسهم -ذات مرة- ينجرون في منحدر مفاجيء لموت هائل. من السهل جداً تمرير حكم ما، إذا كنت تجلس على أريكتك. انتهى الإقتباس. وهو بتوقيع: سي. في. شيرام.
باختصار، هذا الكتاب موجع جداً. من الصعب على أي أحد.. أن يقرأه دون الشعور بوخز مؤلم في الصدر. إنه خنجر في خاصرة الإنسانية. إنه توضيح بسيط.. وموجز لقباحة وهمجية الحرب.
وفي الختام، أقدم شكري الخاص للمترجمة ميادة خليل لتقديمها هذا العمل إلينا على هذه الشاكلة.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: