فيدان أكيز … الماضي، الحاضر، المستقبل.. العالم يواصل الدوران 

ترجمة: ميادة خليل

“الماضي”

حرصت في الآونة الأخيرة على جمع وصفات سرية للطبخ من والدتي وخالاتي في تركيا. أريد أن أكتب كتاب طبخ خاص بالعائلة، وفيه قصص غريبة عن والدي، لأنك بهذه الطريقة يمكنك ملْء صفحات الكتاب.
والدي، من جانب، هو مثلي الأعلى. هاجر من تركيا على أمل أن يصبح ثرياً في هولندا، وبسرعة اكتشف أن ما يكسبه هنا أقل ممّا كان يكسبه هناك. لم تتحقق أحلامه وهذا ما جعله مختبئاً خائفاً من عائلته في تركيا، وحرص على أن يعيش أطفاله الأربعة حياة كريمة. عمل دائماً بجد. ومن جانب آخر، هو رجل حذر. كان لديه في شرفتنا في روزنبُرخ خزانة يضع فيها سترات نجاة ومواد غذائية في حال تعرض هولندا لفيضان. هناك الكثير من الأقفال على هذه الخزانة وكنا نرى أن مهمتنا كسرها لأنها مليئة بأشياء لذيذة، مثل الشوكولاته. كان والدي أيضاً يخاف من الديون. عندما نتلقى تذكيراً من المكتبة العامة لأننا تأخرنا في تسليم الكتب، عندها نعرف: أن الأجواء في المنزل سيئة لبعض الوقت. ونتيجة اقتصاده بالمال أصبح أبي أكثر إبداعاً لكنه أصبح أكثر هوساً. بسبب غضبه من أمي عطل خدمة الاتصال الدولي على سبيل المثال، حتى لا نتمكن من الاتصال بأحد. الثمن الذي دفعه والدي مقابل هجرته إلى هولندا كان الكآبة الحادة. ظهر هذا في إدمانه على الشراب وغيابه المتكرر عن المنزل. فرض ضغوطاً شديدة على أخي، بأن يجب أن يكون أفضل منه. لكن هذا لم يحدث، بل على العكس من ذلك، اتجه أخي إلى الشراب أيضاً. حرصت أمي على أن لا ينحرف كل من والدي وأخي عن مسارهما. لم أعرف في حياتي امرأة قوية مثلها. كانت إيجابية دائماً، ومبتسمة دائماً. لأنها ترى أن الحياة قصيرة ولأنها قانعة بما لديها. كنت دائمة الشعور بعدم الأمان في طفولتي. بسبب إدمان أبي على الشراب والنزاعات الناتجة عن ذلك. ولأن والديّ كانا دائماً خارج المنزل. كانا يعملان كثيراً، أبي كان يعمل لحاماً في حوض بناء السفن، وأمي عاملة نظافة. كانا يتركانا لوحدنا ونحن صغار جداً بشكل يومي، لم يدركا أن هذا غير مسموح به. إلى أن قال الجيران: “النافذة مفتوحة وأطفالك يمشون على عتبة النافذة، يمكن أن يسقطوا!” فزعت أمي عندما سمعت بذلك. ابتكرنا أنا وأختي عالماً خيالياً، ربما للهروب من المسؤوليات التي حملناها كوننا أبناء مهاجرين. كان يجب علينا دائماً مساعدة والدينا. أخذنا أفكار هذا العالم الخيالي من الكتب. نتظاهر بأننا نقوم برحلة، تماماً مثل الأطفال في قصص “المشاهير الخمسة”* نُعد شرائح الخبز ونقود دراجاتنا الهوائية في أرجاء روزنبُرخ. لكن روزنبُرخ صغيرة، لهذا لا نبتعد كثيراً عن المنزل.
قرأنا في قصة “پيتي في المدرسة الداخلية” كيف تنظم الفتيات الحفلات في المدرسة. كنا نريد أن نفعل هذا أيضاً. اشترينا رقائق الشوكولاته، رقائق البطاطا وحليب الشوكولاته، وأشياء رخيصة كانت في السوبر ماركت، ونسهر بصعوبة، نجلس مع وجوه متعبة على الفراش ونأكل ونشرب. لدي ذكريات جميلة عن هذه السهرات، لكن في نفس الوقت كنا نقول: لماذا نفعل ذلك؟ أذكر أن والدي سألنا: لماذا تضعون رقائق البطاطا وحليب الشوكولاته في حقيبة تحت سريركم؟ لم نستطع شرح الأمر له. حفلة؟ نظر لنا باهتمام، وبدأ بعدها النقاش مع أمي وسألها إن كنا نحصل على ما يكفينا من الطعام. كأسرة مهاجرة كنا نعتمد تماماً على بعضنا البعض. مرتبطين ببعضنا بقوة. هذا الترابط جعل من طفولتي ذكرى جميلة. كان هناك الكثير من المرح. باب بيتنا القديم كان مفتوحاً على مصراعيه طوال الوقت، نطهي الطعام والجميع يأتي ليأكل معنا، وكنا نضحك كثيراً. أمي وأبي يعشقان الأفلام وكنا نحرص على مشاهدة فيلم المساء مع كل العائلة. هذه الطفولة في عائلة مهاجرة شكلتني وجعلتني أقوى. هذه المرحلة علمتني أن أكون أكثر واقعية وامتناناً. وعلاقتي بوالدي استثنائية، ومتينة جداً.

“الحاضر”

كانت أختي ترغب في أن تصبح صحفية وطلبت دليل التعليم في الجامعة. عندما قرأته أدركت أن هذا هو ما أريده. كنت أكتب منذ الطفولة لكن الآن فقط أصبح للكتابة اسماً. عندما كانت العائلة بأكملها تسافر إلى تركيا في باص صغير محمل، كنت أدون يومياتي أثناء الرحلة. أكتب القصائد أيضاً وأتخيّل أني أتقنها. الصحافة جذبتني لأنها مهنة تتيح لك فرصة سماع قصص الناس. أتحدث مع الجميع وأريد أن أعرف بسرعة من هو ومن أين جاء. كنت طفلة يقظة وأحلل كل المواقف لاكتشف لماذا يشعر الإنسان بما يشعر به. في السنة الأولى من دراسة الصحافة شعرت بالإرهاق. في المنزل كنت الأذكى، أنا وأختي. كنتُ أُطلع والديّ على ما تعلمته وأشعر أني ذكية جداً. ولكن في تلك المدرسة حيث الجميع يمتلك كمبيوتره الخاص في منزله ويقرأ الصحف الهولندية، اكتشفت أني متأخرة. أمور بسيطة لا أفهمها وأنطق الكلمات بطريقة خاطئة. يقول أبي باستمرار على سبيل المثال: مدينة هيلَماس سلاوس إذا كان يقصد مدينة هيلَفوتسلاوس أو ماس سلاوس وأنا تعلمت منه نطقها. شعرت في السنة الأولى أني يجب أن أسبح ورأسي بالكاد فوق الماء.
في السنة الثانية أجريت حواري الأول وحصلت على ملاحظة مكتوبة بأحرف عملاقة: أنتِ محاورة موهوبة. عندها عرفت العمل الذي أتقنه. كتابة الأخبار، بإيجاز واختصار وبشكل عملي كان عملاً شاقاً بالنسبة لي. لكن التعمق في الأشياء، أن تشعر بما يشعر به شخص ما، الحفر في الروح، عمل سهل بالنسبة لي.
بدأت مع صحيفة روتردامس داخبلاد بكتابة أخبار الشرطة، هذا هو بالضبط العمل الذي لا أريده ولا يمكنني القيام به. كوني مبتدئة كان يجب أن أكتسب الخبرة أولاً بالعمل في تحرير الأخبار المحلية لكني قدمت بسرعة للمكتب الرئيسي للتحرير عملي العظيم الأول: حوار مع صديقتي التي أصيبت والدتها بالتصلب المتعدد وأرادت أن تجري فحصاً لنفسها. اتضح من نتيجة الفحص أنها غير مصابة بالمرض ولهذا لن تورث المرض لابناءها. أصبح بإمكانها أن تكّون عائلة دون مخاطر. كانت قصة عاطفية جميلة جداً. وعندها انفتحت لي الأبواب. كان طموحي أن أصبح مراسلة حربية. بسبب المغامرة وقصص الناس ولأني كنت أريد أن أكون ذات فائدة. في 2003، عندما اجتاحت القوات الامريكية العراق كانوا بحاجة لصحفية عند الحدود التركية – العراقية. أتحدث اللغة ولدي الجرأة. كنت أنظر إلى هذا العمل على أنه أهم مرحلة في مسيرتي المهنية. كنت شابة، 25 عاماً، ساذجة وعمياء أمام المخاطر. عندما أتذكرها الآن، أقول لنفسي: كم كنت محظوظة!. تعرضت للكثير من المخاطر في مناطق انفجرت فيها القنابل بعد مغادرتنا بدقائق، على سبيل المثال. ذهبت إلى تركيا بعد ذلك، حيث واكبت الانتخابات الجارية هناك. كان من الممكن أن أكتب تقريراً عظيماً عنها، ولو أني فعلت ذلك بشكل جيد، كان من الممكن أن أصبح مراسلة. عرفت كل شيء عن عمل المراسلين وقرأت كُتيب يضم اسماء المراسلين الأجانب. كان من بينهم ڨيرد دوك، مراسل في روسيا وألمانيا. اضحكني اسمه. وقلت لنفسي: يجب أن أتصل به. كان خير عون لي ولطيف وعرض عليّ قراءة التقرير الذي كتبته. أعاد أرساله لي مع الكثير من التعديلات. شكرته على مساعدته، ورد بأن لا داعي للشكر، لكني شعرت قليلاً بالاهانة.
التقينا بعد عامين عن طريق الصحافة مرة أخرى. في غضون ذلك انفصل هو عن زوجته وأنا انهيت علاقتي بصديقي التركي. من الواضح أني كنت بحاجة إلى موضوعية الرجل الهولندي. أُغرمنا ببعضنا، عشقنا بعضنا بصدق. كانت العلاقة تبدو مستحيلة. يكبرني بسبعة عشر عاماً. هو ابن قس وأنا بنت عائلة مسلمة. لكن النشأة في بيت القس في الخمسينيات يشبه النشأة في بيت عائلة مهاجرة. نفس الحياة المتواضعة، الجامدة، المنضبطة. ڨيرد سبر غور الروح الروسية، لهذا هو يفهمني عندما أتحدث عن روحي التركية. واتضح أنه فضولي مثلي تماماً. وحفّار أيضاً، لا يكتفي بما يراه. بدأنا بسرعة الحفر معاً. من أنت، ومن أين جئت؟ كان هذا أعظم حوار أجريته في حياتي. لقد وجدت توأم روحي.

“المستقبل”

منذ عام وأنا أشعر أني وجدت منهجي الخاص في الصحافة. جاء هذا الشعور نتيجة أن صوتي أصبح مسموعاً في المناظرات الاجتماعية. تمكنت من تطوير هذا الصوت من خلال برنامج “العالم يواصل الدوران”. وأنا سعيدة جداً بذلك.
بعد أربع سنوات من العمل مراسلة في تركيا لم أعد أشعر بحاجة إلى التحدي. وجدت أن من السهل جداً أن أصبح تركية – هولندية في تركيا. أردت العمل في التلفزيون وعملت محررة في برنامج “پاو وڨيتَمان”. وفكرت في تعليم نفسي. كان هذا في عام 2007.
برنامجي الوثائقي الاول “عبّارة إلى هولندا” كان عن العوائل التركية المهاجرة إلى هولندا، نفذناه أنا والمنتج كيَس سخاب وحاورت فيه عائلتي. من خلال هذا البرنامج عرفت الكثير عن المكان الذي جاء منه والديّ، لماذا كان والدي مكتئباً، لماذا كان يجب على أمي أن تبقى قوية دائماً. لو أني لم أقم بهذا البرنامج، لو أني لم أبحث في ماضي والديّ، لن أعرف من أنا. اكتسبت الكثير من الفهم وهذا ما ساعدني على النظر إلى الأمور بطريقة عقلانية. والعقلانية تساعدك على البقاء حياً. لكن خلف الرغبة في البحث هناك أيضاً جانب مظلم، حزن لا أستطيع تفسيره أبداً. ربما أن هذا البقاء، بأني يجب أن أُثبت نفسي دائماً، كان أثقل من قدرتي على الاعتراف به.
هذا الشعور المظلم اختفى منذ ولادة ابني فيران. بسببه توقفت عن البحث، وجدت الراحة معه. أصبحت أكثر لطفاً، وأقل قسوة على نفسي. أَخرجَ كل شيء جميل في داخلي.
اكتملت الدائرة. أجد فيه الكثير مني. هو فضولي جداً. يُشغله الآن سؤال كيف ينزل المطر ومن الجميل أن أشرح له هذا. عندما أشرح له، أقول لنفسي: لهذا أنا خُلقت، هذا ما أريده، اشرح لأبني عن طريق الاسفنج كيف ينزل المطر. أريد أن أربي أبني ليكون ذا روح منفتحة. رجل لطيف، مستقل وقوي ويحترم الآخرين. يحترم الآخرين حقاً. لم أكن أعرف أني في يوم ما سوف أُؤكد على هذا الأمر بهذه الطريقة. لكن الآن هذا هو ما يهمني أكثر من أي شيء آخر. كوني صاحبة رأي، أحاول تطبيق هذا. في النقاش حول المهاجرين أصبحت الآراء عنيفة. أدعوا إلى رؤية الفارق البسيط، إلى بناء جسور وفهم وجهات نظر بعضنا. أصبحت أكثر التزاماً من الناحية الاجتماعية منذ أن أصبحت أماً، لأني قلقة بشأن الزمن الذي نعيشه الآن. لماذا أصبحت هولندا بلداً لا يشعر فيه أبي بأنه بلده؟ يشغلني باستمرار الجواب الذي سوف أقوله لابني إذا سألني: ماما، مع من تقفين في أزمة اللاجئين؟ ما هي مساهمتك الإيجابية في المجتمع؟
لا أتفق مع ڨيرد في هذا الموضوع في كثير من الأحيان. لدينا وجهات نظر مختلفة. لكني منفتحة على نقده، لأن ما أخاف منه هو أن أظل رهينة آرائي. في الواقع، أنا وڨيرد نمثل حالة اختبار: كيف تكون متسامحاً في مواجهة الآخر؟ هل تستطيع الاستمرار في الحديث مع الآخر حتى لو كنتما مختلفيَن؟
لدي حلم كبير وهو أن أصنع فيلماً. في منزلنا كنا جميعاً نعشق الافلام. حلمت وأنا طفلة بأني سوف أصنع فيلماً رائعاً، أو أكتب رواية رائعة. هذه الرواية لن أكتبها، ليس لدي الموهبة لكتابتها. لكن هذا الفيلم…
تعلمت أن هناك الكثير من الأشياء كانت تبدو مستحيلة لكنها تحققت بالمثابرة. لهذا، ربما سأصنع هذا الفيلم في يوم ما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– فيدان إكيز صحفية هولندية ولدت في روزنبُرخ 1976 لعائلة تركية مهاجرة.
* The Famous Five: سلسلة قصص أطفال كتبتها إنيد بليتون.
المصدر: FLOW

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: