أريد عالما أفضل

كيري سميث

ترجمة: ميادة خليل

 

كتب أخرى مشهورة لكيري سميث منها: “How to be explorer of the world” ( كيف تكون مستكشفاً للعالم)، “The guerilla art kit” (عُدّة فن الغيوريلا أو عدّة فن الشارع) و” Tear up this book” (مزق هذا الكتاب). لأنك تستطيع أن تُظهر إبداعك الخاص في كتبها، فأن كتبها أصبحت لها ولـ”المستخدمين”. هم يكملون “المشروع” الذي بدأته كيري. آخر كتبها “The imaginary world of …” (العالم الخيالي لـ…). تعمل كيري سميث كرسّامة مستقلة في صحف مثل الواشنطن پوست، النيويوركر تايمز، ومصانع مثل الهولمارك. تسكن حالياً في ماسچوستس مع زوجها جيفرسون پيتچر، وابنها تيلدن وابنتها إيدا.

الماضي

نشأت في ضاحية ليست بعيدة عن تورنتو. كان المكان فضيعاً ولا حياة فيه. أظن بسبب هذا تشكّلت شخصيتي، لأني طورت حاجة شديدة إلى أشياء أجمل من ما تقدمه الضاحية. كان خلاصي هو المنزل الصيفي في الريف الذي نذهب إليه كل عطلة صيفية. كنا نقوم أيضاً برحلة إلى تورنتو، عندها أكون كما لو أني أغرق في بحر من الفن والثقافة. جدتي من نيوفوندلاند. النيوفوندلاندريون يعشقون العمل اليدوي ويصنعون كل شيء بأيديهم: الملابس، الطعام، كل شيء. تعلمت منذ نعومة أظفاري كيف أصنع الأشياء بيدي، تعلمت الحياكة والخياطة. منحني هذا شعورا بأني أستطيع خلق عالمي الخاص.

عندما كنت في السادسة من عمري، مرضت أمي. في البداية لم نكن نعرف ما هو مرضها، لكن بعد سنتين جاء التشخيص: ورم في الدماغ. وفقاً للاطباء لن تعيش طويلاً. فعلت أمي أقصى ما تستطيع لتتحسن حالتها ولتعيش ثلاثة عشر عاما ً أخرى. كنت سعيدة جداً بذلك، لأني لم أكن أتوقع أن تظل معي أمي لفترة طويلة. كانت امرأة قوية جداً. مراهقتي كانت صعبة جداً. جربت المخدرات وقمت بأشياء فضيعة مثل السرقة من المحلات. كان لدي ميل للانتحار. في الوقت الحاضر سوف يقولون: “لديها كآبة”. لكني الآن عندما أنظر إلى الوراء، أقول لنفسي: أمي كانت تحتضر ولم يكن لدي أحد أتحدث معه عن ذلك. كنت أبحث عن طريقة للهروب. كرهت المدرسة. أظن أني رسبت في كل الصفوف ولم أنجح أبداً في الامتحان النهائي. الآن أنا فخورة بذلك، لأن هناك الكثيرين ممن نجحوا في حياتهم ولم يحصلوا أبداً على شهادة. لكن في ذلك الوقت لم يكن أمراً مستحسناً. كنت دائماً طفلة متمردة وهذا التمرد لا يزال محور كل حياتي. في السنة الأخيرة من المرحلة المتوسطة سألني المدرس عن ما يحدث معي. لم يكن أي أحد من المدرسين على دراية بما يجري في المنزل. تحدثت معه وسألني: “ما الذي تريدينه حقاً؟” لم يسألني أي أحد هذا السؤال من قبل. قلت: “أحب الرسم”. كان جوابه: “حسناً، اذهبي إلى المنزل واجلبي معك بعض الرسومات، وسوف نراها معاً”. كان هو أول شخص بالغ يهتم بي، وأنقذ حياتي. جلبت رسوماتي، تفحصها باهتمام وقال: “يجب أن تدرسي في أكاديمية الفنون”. وقال لي شيئاً جميلاً لن أنساه طوال حياتي: “الطفلان الوحيدان اللذان سيحققان شيئاً في هذه المدرسة هما أنتِ و …” لا أتذكر اسم الصبي. كان مثلي تقريباً، لم يكن جيداً في المدرسة. قال المدرس: “تعلم كل الأطفال الآخرين أصول اللعبة في المدرسة. التزموا بالقواعد. لكنكما تعرفان كيف يجب أن تفكرا، وهذا ما تحتاجينه إذا أردتِ أن تكوني ناجحة في هذا العالم”.

اقترح عليّ هذا المدرس فكرة الالتحاق بأكاديمية الفنون، لكن بسبب درجاتي السيئة لم أتمكن من التسجيل مباشرة. عوضاً عن ذلك، عملت في محل لبيع الكتب. كان يُطبق في ذلك الوقت في كندا قانون يسمح لك بالتسجيل كـ”طالب كبير السن” إذا درست عامين في المدرسة ولم تحصل على شهادة. في هذه الحالة سوف لن ينظروا إلى درجاتك ويجب أن تكتب مع الطلب الأسباب التي تجعلك تستحق القبول في الأكاديمية. فعلت هذا، وتم قبولي في الأكاديمية.

في أكاديمية الفنون كان الأمر كما لو أن أبواب السماء قد فُتحت لي. أول محاضرة كانت لواحدة من أكبر الفنانين المفاهيميين في تورنتو. دخلت القاعة وطلبت منا أن نجلس تحت المناضد. وخرجت من القاعة. جلست تحت منضدتي أفكر: هل جُنت هذه المرأة؟ ثم عادت بسرعة إلى القاعة، وبدأت تضرب على المناضد وتصرخ بقوة. درسي الأول في أكاديمية الفنون قلب كل الأفكار التي تعلمتها من المدرسة رأساً على عقب. لأول مرة في حياتي أغادر العالم الذي أعرفه.

حدث أمران خلال السنوات العشر التالية: بدأت بدراسة البوذية وماتت أمي. كانت فترة صعبة جداً. قضت السنوات الثلاث الأخيرة من حياتها في المستشفى، بينما كنت أحاول بناء حياتي المهنية كرّسامة. كانت المستشفى بمثابة مكتب لي. ترقد أمي في قسم الرعاية التلطيفية ومن معها في نفس الغرفة كانوا يحتضرون أيضاً. في كل مرة أذهب لزيارتها، يموت أحد في غرفتها تعرفنا عليه منذ وقت قصير. مات خمسة أو ستة مرضى ممن كانوا معها في الغرفة. جعلني هذا مدركة جداً لموتها القادم. كان يجب أن أحاول بطريقة أو بأخرى رؤية الجمال الكامن فيه.  ما أفضل شيء يمكنني استخراجه من هذه الحالة؟ اشتري كمية من الشاي وأحاول أن أُعد حفلة شاي معها. أو أحياناً أنام بجانبها على سريرها ولا نفعل أي شيء خاص. كان هذا رائعاً.

الجانب القوي في شخصيتي هو قدرتي على تحويل الحالات الصعبة إلى أشياء جميلة في رأسي. في نفس الوقت كانت هذه ميزة سلبية أيضاً. أصنع الأفضل من كل حالة ولهذا أرتدي نظارة وردية طوال الوقت. لكني أعرف أني عند مستوى معين يمكنني أن أغيّر العالم إلى شيء مناسب لي. إذا وقعت بعد ذلك، لديك دائماً القوة لتستمر.

الحاضر    

في كتابي الجديد “العالم الخيالي لـ…” كشفت كل أسراري، رغم أنها في الواقع ليست أسرار حقيقية. أحد هذه الأسرار هو أني أعيش في رأسي معظم الوقت، وأخلق هناك عوالم خيالية.

تربيت تربية صارمة. والدي كان مبرمج كمبيوتر وكان يريد أن يضع كل شيء تحت سيطرته، وهذا أمر مفهوم لمن يعمل مع الخوارزميات والترميزات. كان هذا ملائما جداً له، لكن ليس لي.

المضحك هو أني الآن لا ألتزم بالقوانين تماماً. بدلاً عن ذلك أضع علامات استفهام أمامها باستمرار. جميعنا لدينا أفكار ورثناها عن العالم وتعلمناها لمجرد العلم بالشيء ــ يجب أن تفعل ما يقوله المدرس، كل ما يقوله المدرس من أجلك. تحمل معك هذه العبارات الجاهزة طوال حياتك. كفنانة، أنظر إلى هذه العبارات وأضع علامات استفهام أمامها. ماذا لو نظرنا لها من زواية أخرى؟ مع كتاب “اتلف هذا الكتاب” و”عدّة فن الشارع” وجدت أسلوبي الخاص. في ذلك الوقت، تزوجت رجل أمريكي وتركت كندا، وطني. زوجي موسيقي ويعمل بطريقة تصورية جداً. اكتشفت عن طريقه أعمال الملحن الطليعي جون كيج. كيج كان بوذياً أيضاً واعتمد في أعماله على الحظ. إذا تركت للنرد خاصتك اختيار أي لون سترسم به، تختفي الأنا من العملية. وبالتالي يمكنك التجرد من النتيجة.

حتى ذلك الوقت كان لدي شعور بأني أريد أن أُبقي كل شيء والكثير في يد واحدة عندما أرسم، وهذا يحبطني. الاعتماد على الحظ أو الصدفة والسماح للأدوات بأن تفعل ما تريد، كان مثيراً: بدأ كل شيء يتحرك. شعرت كما لو أني في تجربة ولست بحاجة إلى القلق من النتائج. وهكذا ظهر “اتلف هذا الكتاب”. غادرت كندا، هدمت حياتي السابقة وبنيت حياة جديدة. اسمي هذه العملية بـ “الهدم الإبداعي”، إنها عملية مذهلة.

ولدت في 1970، لم يكن الانترنت موجوداً في ذلك الوقت ولم يكن لدينا هواتف نقالة. جيلنا يعرف كيفية العيش دون ومع هذه التكنولوجيا. نستطيع التمييز. لم تكن كل التغييرات جيدة. لدي علاقة حب وكره معها. لا أحب ما تفعله بدماغي. نحن نعيش في عصر حيث الجميع منشغل باستمرار وينظر إلى هاتفه. أحاول جذب الناس إلى العالم الحقيقي، حتى يلاحظوا الأشياء. كيف نستطيع رعاية العالم من حولنا إذا لم نفعل ذلك نحن بأنفسنا؟.

أنا ضد الأعلانات وأحاول الحد من وجودها المتزايد بشكل مذهل حولي. ليس لدي تلفزيون على سبيل المثال. وهذا يوفر مساحة في رأسي للإبداع. أجد من المهم خلق هذه المساحة لنفسي في ثقافة تقصفنا بشكل مستمر بأشياء يجب علينا شراؤها.

لا يزال ولديّ صغيرين، أحاول الاستمتاع معهما قدر استطاعتي، ابنتي ذات الثلاث سنوات لا تذهب إلى الحضانة، أحياناً تأتي أختي للاعتناء بها. ما عدا ذلك أحاول قدر استطاعتي أن أكون معهما. لأن الأمور تسير بشكل جيد مع كتبي، يمكنني القيام بذلك. إذا أردت، يمكنني السفر إلى جميع أنحاء العالم، ترسل لي دعوة كل أسبوع من مكان ما. من الصعب رفضها أحياناً، لكني لا أريد أن يقول أولادي فيما بعد: “ماما غير موجودة دائماً”.

كتبت كتابي “العالم الخيالي لـ…” ليلاً على وجه الخصوص، بعد أن ينام ولديّ، أشعر أن دماغي لي فقط. أحاول أن أبث الحياة في هذا العالم التخيلي في المنزل أيضاً لجعل الأمور أكثر مرحاً. لا يمكنك أن تمل من تذكير نفسك بأن لا تأخذ الحياة على محمل الجد.

المستقبل

أنا الآن في مرحلة البناء. بناء عوالم كاملة. كنت أفعل هذا دائماً في الواقع لكني أفعله الآن بوعي. كفنانة ذهبت في اتجاه الناشطة.  أعلم أن لأعمالي تأثير على العالم. وهذا يصح للجميع: كل ما تفعله، له تأثير. ماذا لو دخلنا مع هذه الفكرة إلى العالم؟ أخذت هذا الدور مأخذ الجد. مع كل شيء أقوم به، أريد تحسين العالم بطريقة أو بأخرى. هذا يتطلب عملاً كثيراً، لكنه يمنح شعوراً بالرضا بشكل كبير جداً.

عندما يتعلق الأمر بتحسين العالم، يجب عليك أن تسأل نفسك أولاً كيف تحب أن تراه. ماذا تريد أن تضع في عالمك المتخيّل؟ عالمي المتخيّل مليئ بالممرات السرية، المكتبات المختبئة في الغابة والكثير من مثل هذه الأشياء، لكن حتى هذا يختلف بالنسبة للآخرين. أنا منشغلة الآن بسلسلة من ورشات العمل لسكان الحي حول هذا الموضوع: كيف يمكننا تخيّل الحي الذي نسكن فيه من جديد؟ وهذا لا يتعلق بالتخيّل فقط ولكن ببث الحياة فيه من جديد أيضاً.

لدي الكثير من الأهداف الخيّرة. يقع العالم في مقدمتها، ومحاولة السماح للناس بطرح كل اسئلتهم. في كتاب ” كيف تكون مستكشفاً للعالم ” كتبت هذه الجملة: “كل شيء مهم”. يساعدك هذا حقاً على النظر من وجهة النظر تلك. يجب أن لا أمتلك أي عقيدة وأحاول “إنقاذ” الأطفال الصغار قبل أن يؤثر عليهم المجتمع. حتى يظلون ينظرون بعقل منفتح إلى العالم. أظن أننا نستطيع بهذه الطريقة إظهار مشاركتنا الاخرين في حزنهم ومعاناتهم. لن ننجح إذا بقينا عالقين في مكاننا، لأننا في هذه الحالة لن يكون لدينا عقل منفتح. هناك نقص كبير في الرحمة في هذا العالم. أشعر أني محظوظة جداً لكوني أعرف ما أريد وسوف أحققه بالمضي قدماً.

صنعت في السنوات الماضية بعض الأفلام والتطبيقات وأحاول مع وسائل الأعلام الأخرى. لكني اُفضل الكتاب. مثل كثير من الناس أفكر في مستقبل الكتاب الورقي. ماذا سيحل به وكيف نطوره؟

لا أستطيع تصور أني سوف لن أكتب المزيد من الكتب. أحب ما هو ملموس، وهذا مهم جداً بالنسبة لي. لا تنسى أننا حيوانات، ونحب استخدام حواسنا.

تلقيت في الوقت الحاضر مئات الرسائل من شباب مكتئبين ومنشغلين بكتاب “اتلف هذا الكتاب”. كنت في نفس عمرهم عندما كان لدي صعوبات. عندما قرأت مثل هذه الرسائل لأول مرة سألت نفسي إن كان أصحابها قد رأوا كيري سميث السابقة في هذا الكتاب. لكني أدركت عندها أنهم ربما تفاعلوا مع الكيفية التي انقذت بها نفسي وكان لديهم الكثير حول ذلك. لأني بعد أن أنهيت دراستي في أكاديمية الفنون بدأت مباشرة بتدوين يومياتي. لم أكتب “اتلف هذا الكتاب” من أجل الوصول إلى هؤلاء الشباب، لم أفكر مسبقاً بالاشخاص الذين سوف يستخدمون كتابي. كتبته لنفسي، كتمرين، وهم فهموا ذلك. أجد هذا لطيفاً جداً.

تنتمي كتبي إلى القرّاء، اسميهم المستخدمين. كتب إمبيرتو إيكو كتاباً اسمه “الأثر المفتوح”. استعرت منه فكرة أن العمل المكتوب ينتهي بالقارئ: هو العلاقة بين ما وضعته في الكتاب وما يتخيله القارئ حوله. اعجبتني الفكرة. لدي هذه البذرة الصغيرة، أعطيها لك وأنت تقوم بالباقي. كل نسخة من “اتلف هذا الكتاب” هي نسخة فريدة. أجد هذا مهماً جداً، لأن الناس لا يرون كم هم مميزون بالفعل.

لا أعد نفسي أيقونة ثقافية. بصراحة، أود أن أكون ناسكة. أجد من الرائع أن أكتب كل هذه الكتب، لكني لا أحب الدعاية لها. لا أؤمن بالتسويق. لم نقم بأي دعاية لكتاب “اتلف هذا الكتاب”. لا شيء على الإطلاق. وإلى الآن بيع أكثر من ثلاثة ملايين نسخة من الكتاب، حقاً هذا شيء لا يُصدق. تم ذلك فقط عن طريق الدعاية من فم لفم: الذين استخدموا هذا الكتاب شاركوا تجربتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. سُألت ذات مرة: “ما هو السر؟ كيف نفعل هذا نحن أيضاً؟” لكني لا أستطيع الاجابة على هذا السؤال. أنت لا تستطيع أن تبتكر مثل هذه الأشياء. أنا أؤمن بأنك إذا فعلت شيء لديك شغف نحوه، فأن الناس تتفاعل مع هذه الطاقة ويرغبون بالانضمام له. هكذا بكل بساطة.

 

 

المصدر: FLOW

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*guerrilla: أو فن الشارع. يقوم الفنان بعمله الفني ويتركه في الأماكن العامة، أو عادة في الأماكن الممنوعة. وهي طريقة لتعبير الفنان عن رأيه ووجهة نظره لجمهور كبير وبشكل مباشر.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: