أهارون أپيلفيلد.. صنعت لنفسي عائلة على الورق.

حاوره: ألان ألكان

 ترجمة: ميادة خليل

 

 

 

قال أهارون أپيلفيلد: لكي تكون كاتباً جاداً يجب أن يكون لديك روتينك المعتاد. روتينه لسنوات كان الكتابة بقلم الحبر على ورقة بيضاء عادية في مقهى تيچو هاوس في القدس، والذي كان منزل طبيب ثري في السابق وحيث أجريت هذه المقابلة معه.
سلوك أپيلفيلد، إيماءاته وصوته الناعم يستحضر رومانيا الريفية الغائبة من طفولته، حيث احتفظت الطبقة الوسطى ببقايا الثقافة النمساوية – المجرية العالمية. ابن أحد ملاك الأراضي الأثرياء قضى سنواته الأولى يتحدث باللغة الألمانية مع والديه، اللهجة اليديشية مع جده وجدته، اللغة الأوكرانية مع الخادمة، واللغة الرومانية في المدرسة.
في عام 1941عندما كان أپيلفيلد في التاسعة، اجتاح الجيش الروماني قريته جادوفا بالقرب من چيرنوڨيتس. قُتلت أمه وجدته بإطلاق ناري. هرب أپيلفيلد ووالده لكن سرعان ما جمعوهما وساقوهما، لأكثر من شهرين، إلى معسكرات الاعتقال في ترانسنيستريا، حيث فرقوهما عن بعضهما بعضاً. ومرة أخرى هرب أپيلفيلد. أمضى العامين التاليين مختبئاً في الغابة، يقوم بأعمال غريبة لصالح مجموعة من العاهرات واللصوص. عندما وصل الجيش الروسي، في 1944، انضم إليهم كصبي في المطبخ، وأخيراً شق طريقه عبر إيطاليا ويوغسلافيا الى إسرائيل. واجتمع هناك مع والده من جديد.
تحدث أپيلفيلد عن قصة نجاته في مذكراته “قصة حياة” 1999. سنوات الحرب كانت موضوعاً جوهرياً لغالبية رواياته، بما فيها “عصر العجائب” 1978، “تزيلي” 1983، والكتاب الذي حقق له شهرة كبيرة “بادنهايم 1939” 1975.

– إذن أنت تأتي إلى تيچو هاوس للعمل مرتين في الأسبوع..؟

– نعم آتي إلى هنا في حوالي العاشرة أو الحادية عشر. أبقى هنا لساعتين أو ثلاث ثم أعود الى المنزل. إنه روتين معتاد. عموماً، عندما نقول روتين، يبدو أننا نقصد أمراً سيئاً، لكن الروتين مهم.

– أنت تكتب كتابة عادية. كم صفحة تكتب في اليوم؟

– صفحة واحدة، وأحياناً نصف صفحة. أتوقف عندما أشعر بالتعب ــ عندما لا أرى، ولا أسمع أكثر من ذلك.

– عندها تعود إلى المنزل وتقرأ ما كتبت؟

– نعم، في وقت متأخر من بعد الظهر، بعد أن أتناول غدائي، أقضي ساعتين أخريين في نفس الصفحات، ثم أتركها. اعتدت أن أطبع ما كتبت. أحب طباعة كتاباتي كثيراً. وما أن تراها هناك، تشعر أنك قد أنجزت شيئاً ما. شيء مفرح. لكن في الوقت الحاضر تأتي سيدة إلى منزلي وأنا أملي عليها الكتابة. آلة الكتابة القديمة خاصتي لا تعمل بعد الآن.

– لا تستخدم الكمبيوتر؟

– لا، أنا أحب الورق. الكتابة مثل أي فن آخر، فن حسي. عليك أن تلمسها، تشعر بها، تصحح، وتصحح مرة أخرى، وتصحح دائماً.

– هل تكتب كل يوم؟

– نعم، كل يوم، ماعدا يوم السبت.

– هل تذهب إلى الكنيس؟

– ليس كثيراً. اعتدت الذهاب عندما كان الأطفال صغاراً، لأنهم كانوا يحبون الكنيس. أنا أحب الجلوس في المنزل في روش هاشناه (رأس السنة العبرية) ويوم كيپبور (يوم الغفران) وقراءة كتاب الصلاة والمحزور* ليوم الغفران.

– هل أنت متدين؟

– لست متديناً ــ لست عضواً في جماعة أو كنيس. في الحقيقة، حبي الشديد للكتابة هو ديني. هناك مظاهر أخرى لديني، لكني أقوم بها مع نفسي في الأساس، لعدة ساعات. كان والداي يهوديين، متفهمين وغير منتميين الى أي جهة دينية أو سياسية. والدي كان معادياً للأديان في شبابه. كان هذا نوعاً من التمرّد على والده. والده كان متديناً جداً، كان متشدّد جداً ومتديناً.

– كتبت في كتبك عن جدك الآخر، والد والدتك، الذي كان متديناً جداً أيضاً وعشت معه في القرية.

– نعم. كان مزارعاً، نوع آخر من المتدينين اليهود. كان يُقدر الصمت بشكل كبير. دينه كان الصمت. لا يتحدث كثيراً، لكن ما قاله لي كان ذا معنى كبير بالنسبة لي، وبقي معي. تعلمت اليديشية في المنزل. والداي كانا يفهمان اللغة اليديشية، بالطبع، لكن توجههما كان نحو العالم، الكون. كانا يتحدثان اللغة الألمانية النمساوية – المجرية، لأن كل محافظة لديها لهجتها الخاصة. نحن كنا من مقاطعة يهودية. اليهود كانوا يتحدثون لغة ألمانية ضعيفة نسبة للغة الألمانية العادية.

– والداك كانا يتحدثان اللغة الألمانية، قلت مؤخراً، إن لغتهما تشبه لغة فرانز كافكا.

– نعم. فرانز كافكا ــ من بين جميع الكتّاب، فرانز كافكا. عندما قرأت له كان مألوفاً بالنسبة لي على الفور.

– إذن تربيت تربية علمانية مع بعض المعرفة بالدين من أجدادك؟

– نعم. كنت قريباً جداً من جدي وجدتي لأمي. علمني جدي الكثير. لأعطيك مثالاً، اعتاد أن ينهض في الصباح ويصلي، لكن قبل الصلاة كان يفتح النوافذ. كان يقول لي، لا ينبغي أن يكون هناك حاجز بيننا وبين الله. إذا كانت النوافذ مغلقة والمصاريع مقفلة لا يمكننا الحديث مباشرة مع الله. كان هذا شيئاً لم أنسَه أبداً. سأعطيك مثالاً آخر. اعتاد أن يلمس كل شيء بعناية كبيرة. أنا لا أتحدث هنا عن الكتب فقط. اعتاد أن يُقبل الكتب العبرية قبل أن يفتحها وبعد أن يغلقها، لكنه كان يعتني بكل شيء ــ الكؤوس والزجاجات، على سبيل المثال.

– لماذا؟

– لأن فيها شيئاً من المقدس.

– من المقدس؟

– نعم. كما تعلم. الله موجود في كل مكان. موجود في قلب الإنسان. في النباتات. في الحيوانات. في كل مكان. عليك أن تكون حذراً جداً وأنت تتحدث مع الإنسان الذي يقف أمامك لأن لديه شيئاً إلهياً في داخله. الأشجار لديها شيء إلهي في داخلها. الحيوانات بالطبع. وحتى الأشياء، لديها شيء إلهي.

– جدك جاء للعيش معك في نهاية حياته. هل سلك هو وأبوك نفس الطريق؟

– أبي كان يقدره كثيراً، لأنه يقدر تدينه، لكنه لم يستطع أن يتبع طريقه. أمي كانت تحب والدها كثيراً بالتأكيد، وفي حضوره تصبح متدينة جداً. ليست الصلاة، لكن حبها كان نوعاً من الإخلاص.

– هل كانت حياتك آمنة عندما كنت طفلاً؟

– حياة آمنة جداً.

– أين كنت عندما قُتلت والدتك؟ أنا آسف لأني جعلتك تتذكر شيئاً محزناً جداً.

– كنا مع جدتي في المزرعة. جاء الرومانيون والألمان وأطلقوا النار على جدتي وأمي. كان ذلك في صيف عام 1941. كان عمري عندها تسع سنوات ونصف. كان عمرها واحداً وثلاثين عاماً. عمري الآن اثنان وثمانون عاماً. أمي سوف تظل دائماً شابة وأنا سوف أغادر وأنا عجوز جداً. كانت امرأة جميلة.

– هل كنت مع والدك عندما قتلوا أمك؟

– كنت مريضاً بالتهاب الغدة النكافية، وفجأة سمعت إطلاق النار. والدتي كانت في فناء المنزل. والدي كان مع بعض الناس في الخارج. عندما سمعت إطلاق النار، قفزت من النافذة. كان هناك حقل الذرة، وقفزت في حقل الذرة.

– قفزت؟ دون أن تفكر في والدتك؟

– نعم. كنت خائفاً من إطلاق النار.

– وماذا حدث بعد ذلك؟

– وبعد ذلك وجدت والدي. وهربنا معاً الى چيرنوڨيتس، سيراً على الأقدام. بقينا في الغيتو. اقتادونا بعد ذلك الى المخيم وفصلوني عن والدي. كنت وحيداً مع النساء والأطفال. كل يوم يموت بعض منهم. هربت من المخيم. عندما هربت لم تكن الأسلاك الكهربائية موجودة بعد، كان ذلك في 1941.

– هربت لوحدك؟

– نعم، لوحدي.

– لكنك كنت صغيراً ــ لطيفاً، ولست شجاعاً على وجه الخصوص. ماذا حدث؟ كيف حولت نفسك إلى طفل قادر على الهروب؟

– كان هذا نوعاً من التحوّل ـ أصبحت حيواناً صغيراً. إنها الرغبة في الحياة، الرغبة في البقاء على قيد الحياة.

– قال بريمو ليفي إن كل شخص في المخيم كان لصاً لأن السرقة كانت الشيء الوحيد الممكن القيام به للبقاء على قيد الحياة.

– أنا معجب جداً بكتاباته، لكن هذا ليس تصوري. في مثل هذه الحالة، لا يوجد أخلاق. يجب أن لا تحكم على الناس في مثل هذه الحالة. الناس يصبحون شيئاً لا يريدون أن يكونوه.

– إذن ما معنى أنك لا تتفق مع ليفي؟

– لأنه لا يستطيع أن يحكم على الناس في مثل هذه الحالة. مات معظمهم بعد شهر أو أسبوعين، لأنهم لا يستطيعون العيش بهذه الطريقة.

– وكطفل، هل رأيت الكثير من الناس يموتون؟

– بالطبع. لكنك تصبح غير مبالٍ إلى حد ما. أنت ترى ولا ترى. ماذا يمكنك أن تفعل؟

– عندما التقيت بوالدك مرة أخرى، بعد تسعة عشر عاماً، في إسرائيل، هل سألته لماذا لم يهرب إلى سويسرا أو أمريكا أو إنگلترا للنجاة من خطر النازيين؟ كان رجلاً ثرياً.

– نعم. سألته هذا السؤال. أنا لا أعرف كل مناطق عمله، لكن معظمه كان في مكان واحد. لم يكن الأمر كما لو أن لديه استثمارات في سويسرا. استثماراته كانت في الأراضي، الخشب، والمعامل. كانت استثماراته في رومانيا ولا يستطيع بيعها، ولهذا لم يتمكن من التنقل.

– تصف في كتبك السنوات التي قضيتها في الغابات. خلال تلك السنوات، أي لغة كنت تتحدث؟

– كل أنواع اللغات.

– أي نوع من الذكريات لديك؟ بأي لغة؟

– كنت قد انتهيت للتو من الصف الأول عندما حدث ذلك. عندما كنت في الصف الأول، اعتادت أمي أن تقرأ لي قصة كل ليلة، تتحدث معي، وهكذا. عندما عشت في الغابات، كان مفهومي عن العالم وجودياً تماماً. الطعام، معطف، أحذية، مأوى. كانت هذه هي مشاكلي. الأفكار الأخرى ليست في ذهني. جاءت فيما بعد، عندما بدأت الكتابة. حياتي كانت عمياء، لا يمكن أن يكون فيها أي كلمات، لكن عندما بدأت الكتابة عن طفولتي ــ وكتبت كثيراً ــ ظهرت الكلمات.

– متى بدأت الكتابة بالعبرية؟

– كنت في الرابعة عشرة عندما جئت الى إسرائيل. كنت وحيداً، في مجموعة من الشباب ومشوشاً تماماً. كل واحد منا كان يتحدث لغة مختلفة، لكن ببطء. ماذا يمكن أن تقول بعد رؤية هذا العدد الكبير من الموتى؟ بعد رؤية الكثير من الألم؟ بعد كارثة كبيرة، تفقد الكلمات. كل كلمة هي كلمة غبية عندما تستخدمها.

– ولم تشعر بأنك مثل شخص يتحدث الألمانية؟

– كنت أشعر أني شخص مهزوم، مهزوم منذ سنوات عديدة. ولم أستطع تفسير ذلك. لم أستطع أن أفهم ما حدث لي.

– لكن لغة أمك كانت الألمانية.

– بالطبع كانت الألمانية. لكن لغتي كانت نوعاً من الألمانية الطفولية ــ ألمانية يستخدمها الأطفال ــ لغة بلا مفاهيم.

– ألم تتخلَّ عن الألمانية لأسباب أيديولوجية؟ لأن الألمانية هي لغة النازيين؟

– على الإطلاق. حتى اليوم أحياناً، عندما أكتب وأبحث عن كلمة، عن كلمة باللغة العبرية، فجأة تظهر كلمة ألمانية، من لا مكان! لكني أدركت أن الألمانية لن تكون لغتي بعد الآن. رغم أنها لغتي الأم ورغم أني في أحلامي لازلت أتحدث الألمانية أحياناً، العبرية أصبحت لغتي الأم المعتمدة. على سبيل المثال، الجمل في الكتاب المقدس قصيرة جداً، حقيقية جداً، هناك القليل من الصفات، وبهذا هناك حقائق أو أفعال فقط. لكني اكتسبت اللغة العبرية يوماً بعد يوم، لكن ليس اللغة العبرية الأدبية. لهذا كنت أقرأ ولا أفهم. حتى جهزت نفسي للامتحانات في الجامعة. أمي كانت تريدني أن أصبح طبيباً أو محامياً أو أكاديمياً، وكنت أريد أن أحقق رغبتها. وأيضاً، أردت أن أصبح يهودياً، يهودياً تماماً. أن تكون يهودياً، هي المرحلة الأولى لاكتساب اللغة العبرية.

– لكن هناك الكثير من اليهود لا يتحدثون العبرية.

– بالطبع، لكني أردت أن أكتسب المعرفة، العبرية التوراتية، عبرية القرون الوسطى، عبرية القباله، العبرية الحسيدية، العبرية الفلسفية، وهكذا. أردت أن أعرف كل شيء له علاقة بالعقيدة اليهودية، الطريقة اليهودية في الحياة، القانون، القانون الحاخامي، القانون الصوفي. كان لدي شعور بأن جيلي ــ وأنا، أيضاً ــ كنا عراة. بأننا لا ننتمي إلى أي شيء. عندما بدأت الدراسة في الجامعة، كان أساتذتي قد جاؤوا الى إسرائيل من ألمانيا. لم يأتوا ليكونوا يهوداً عاديين لكن ليصبحوا يهوديين.

– كيف بدأت الكتابة؟

– كنت وحيداً جداً. لا والدين ولا أصدقاء. سألت نفسي، ما الذي احتاجه؟ لماذا أعمل في الحقول؟ ماذا سيحدث لي؟ الى أين تسير حياتي؟ ليس لدي أي شيء. لهذا في يوما ما أعددت قائمة. أبي، اسمه مايكل ــ كتبت هذا. أمي اسمها بونيا. جدي اسمه مائير يوسف. كتبت أني ولدت في چيرنوڨيتس وأن أمي قد قُتلت. منحتني هذه القائمة الأرضية لأفهم. لم أكن وحيداً. لا يزال لدي عائلتي. هم موجودون في داخلي. صنعت لنفسي عائلة على الورق. كتبتهم عليه، وأصبحوا حقيقيين.

– متى كان هذا، قرارك بأنك قادر على الكتابة؟

– لم أكن قادراً على الكتابة على الإطلاق. الكتابة معجزة. جملة ذات معنى، فصل ذات معنى هذه هي المعجزة. هكذا كان الأمر عندما بدأت، ولايزال حتى الآن.

– لكن كيف حدث ذلك في البداية؟

– كنت وحيداً، الورق أصبح صديقي الأول. يمكنني أن أتكلم، يمكنني أن أقول الكلمة إلى الورقة. كنت أريد الجلوس لوحدي في المقهى. بدأت الكتابة في المقهى.

– كنت تكتب لنفسك؟

– لم يكن تماماً لنفسي، كان من أجل إضفاء شكل لشيء ما، إضفاء شكل لفكرة ما، ليكون لديك جملة. كان هذا صراعاً مستمراً. نعم، كان كذلك. اعتدت على شرب الكونياك. كنت أشرب وأدخن علبتين من السجائر في اليوم. بدأت الشراب والتدخين عندما كنت في الثانية عشرة من عمري. كنت مدمناً جداً. ڨودكا، كونياك، نصف زجاجة في اليوم. كان غذاءً جيداً، كما ترى.

– إذن كنت ثملاً باستمرار؟

– لم أكن في حالة سكر، لكن كما تعلم، كنت أشعر بالحرية. وكنت أشرب الكثير من القهوة، ثمانية أو تسعة أكواب في اليوم. شرب القهوة، الشراب والتدخين. كتابي الأول كان اسمه “التدخين”.

– لكنك أقلعت عن التدخين.

– عندما بلغت الخمسين. وتوقفت عن الشراب عندما وُلد طفلي الأول، عندما كنت في الثالثة والثلاثين. كان هناك خطر على صحتي. عانيت لعدة سنوات من الشراب.

– أين كنت تعيش بعد الجيش، عندما كنت تكتب في المقاهي وتشرب؟

– استأجرت غرفة صغيرة في القدس. عملت في رصف الشوارع. عملت في قلع جذور الأشجار خارج القدس. عملت في قطف كل أنواع الفاكهة، عملت في كل أنواع الأعمال. الرسوم الجامعية لم تكن باهظة جداً. نفقاتي الرئيسية كانت الكونياك والسجائر.

– ما هو الكتاب الأدبي الأول الذي قرأته؟

– في منتصف الخمسينات بدأت في قراءة كافكا وتشيخوف. أصبحت هذه القصص قريبة جداً مني. شعرت برغبة عميقة في الاقتداء بهما.

– إذن كنت تعرف مسبقاً بأنك تريد الكتابة؟

– نعم، في أواخر الخمسينيات. كلن لدي جوع لهذين الكاتبين. وبعد ذلك جاء تولستوي.

– وكنت تقرأ أيضاً للكتّاب الإسرائيليين؟ هل قرأت لـ عگنون؟

– بدأت في قراءة الكتّاب الإسرائيليين، لكن عگنون ليس كاتباً إسرائيلياً. كان يتحدث الألمانية. وُلد في مكان قريب من مدينتي. عندما التقيت به، سألني في البداية من أين أتيت. أخبرته. وتحدثنا بالألمانية.

– كيف نشرت كتابك الأول؟

– كان هذا صعباً جداً. السؤال الأول كان، أپيلفيلد، لماذا تكتب عن أناس في المحرقة؟ يجب أن تنسى ذلك. يجب أن يكونوا في الكيبوتس. يجب أن يصبحوا عاملين. أي نوع من العبرية هذا؟ لماذا تنقل المخيمات، الناجين إلى بلادنا؟ وإذا جئت بهم الى هنا، لماذا لا يغيّرون أنفسهم؟ عليهم أن يصبحوا يهوداً جدداً، وليسوا يهوداً قدامى.

– من نشر لك كتابك الأول؟

– كانت المجموعة الطليعية هنا. لم تكن دار نشر حقيقية. كان هناك رجل لطيف ومحسن. لم يكن ثرياً جداً لكنه دعم المجموعة. طبعوا ثلاثمائة نسخة من “التدخين”.

– كتابك القصصي الثاني هل لاقى بعض النجاح؟

– مثقفون مثل شوليم، بوبر، بيرغمان قالوا كلمات جميلة عنه. وبعض الكتّاب أيضاً ومنهم عگنون.

– ولم تترجم هذه الكتب كلها؟

– لا، لأني شعرت بأنها مركزة جداً. لم يكن فيها فراغ كافٍ. أردت قول كل شيء في كل جملة. كانت مضغوطة جداً.

– وهل تحدث عنها النقاد؟

– في منتصف الستينيات، قال النقّاد إن أپيلفيلد كاتب جيد، وربما أفضل ما لدينا من الكتّاب، لكن لماذا يكتب عن المحرقة طوال الوقت، ولماذا هو متعلق باليهود القدامى؟ وربما أيضاً، لماذا اليهودية بالنسبة له أكثر أهمية من الصهيونية؟ كانوا يريدونني أن أكون كاتباً آخر، ولا أكون أنا. لكن كان هناك مجموعة من المثقفين أحبوا أعمالي. ليس فقط أحبوها ولكن قدروها أيضاً. لقد فهموا أن كتابتي قد تناولت ما وراء المحرقة، بأنها ذات معنى كوني.

– في أعمالك، عالم ما قبل المحرقة هو خرافة أو استعارة. طريق المال لبلزاك، العظمة لبروست، الجنس لمورافيا؟ أقصد، كل كاتب يصف العالم مع هاجس معين، هذا الهاجس هو استعارته، لكن بعد ذلك ـــ

– أنا لا أكتب الاستعارات. أنا أكتب عن الكوارث.

– الكوارث؟

– نعم. وما الذي تحدثه بالنفس البشرية. لأن الأدب عموماً يتعامل مع اللياقة، الحياة المدنية، الوطن، الاستقرار. يتعامل مع الأكل والنوم والمحبة.

– ليس دائماً. ديستوفسكي لم يكن كاتباً مدنياً.

– لا. وتشيخوف على سبيل المثال، هناك دائماً مآسٍ شخصية. لكني دائماً أتعامل مع المحرقة في أنها تغيّر طريقة تفكيرك وشعورك. بأي طريقة؟ ليس هناك حماية بعد الآن. كل شيء كان تحت هذه الكارثة. أنت تنظر الى كل شيء من خلال الكارثة. لازلت تتناول فطورك، لكنك لا تنسى الكارثة.

– لكنك أسست لنفسك حياة مستقرة جداً. لديك منزل، زوجة وأطفال.

– نعم هذا صحيح، لدي حياة مستقرة. لكنه استقرار مشكوك به. في الصباح، هناك أپيلفيلد لديه أطفال وزوجة، لكن في الليل، هناك أپيلفيلد مختلف. في الليل هو لا يزال في الغيتو، في المخيم. لهذا، هي حياة مزدوجة، إذا كنت مهتماً.

– لكنك عندما تكتب عن ذلك بقلق شديد، لن يساعدك ذلك على النسيان.

– لا أريد أن أُشفى.

– لمَ لا؟

– لأني لا أريد أن أصبح برجوازياً صغيراً مع زوجة وأولاد. لا أستطيع. حياتي، أسميها كابوساً. الليل كابوس، في كثير من الأحيان، لكن الكوابيس ثرية ــ ثرية بالسلوك الإنساني، ثرية بالمشاعر، ثرية بالأحاسيس. أنا أغذّي نفسي بهذه الليالي. إنها تغذيني.

– كتبت عن شخصيات مبجلة مثل جدك، وهناك رمز والدتك، لكنك كتبت أيضاً عن أناس مضللين. يبدو أن لديك انجذاباً نحو الحياة المضللة.

– لازلت طفلاً ضائعاً. لازلت مع اللصوص والعاهرات. إنهم هناك. إنهم حقيقيون.

– هل لديك حنين لهم؟

– لا. هم جزء مني. الحنين يكون لشيء ضائع ولفترة طويلة. هم لم يضيعوا. إنهم معي، طوال الوقت.

– لماذا لم تكن مهتماً بالواقع الإسرائيلي؟

– أنا لا أهتم بالواقع. لا أهتم بالواقع على الإطلاق. أنا مهتم بحياتي الداخلية.

– أليست هذه أنانية الى حد ما؟

– أقصد بـ “الحياة الداخلية” كل ما تشربته طوال حياتي. أنا أحتفظ بكل الحقائق التي تشربتها طوال حياتي. وهي طعامي. أنا لست رجلاً لا يرى الواقع الحالي، لكن هذا الواقع ليس مادة جيدة للكتابة.

– لكنك تفكر بكل ما حدث في إسرائيل كل تلك السنوات.

– هذا ينفع للكتابة الصحفية.

– لكنها تنطوي على قصص إنسانية.

– لست قادراً على كتابة كل شيء عما حدث، عن ما يدور حولك. أستطيع فقط أن أرى الأشياء التي تشربتها بقوة وقريبة جداً مني. أنا مقيّد. ليس لدي ادعاء أني أكثر من ما أنا عليه. أنا جزء من مرض. لا أستطيع الكتابة عن سان فرانسيسكو ــ كنت هناك لعدة مرات، لكني لا أستطيع الكتابة عنها. ذهبت إلى نيويورك عدة مرات، لكني إذا أردت الكتابة عنها سوف أتناول حياة اثنين من الناجين الذي يعيشون في منزل وسوف أتحدث عن ذلك. من خلال عيونهما، ربما سوف أرى شيئاً من نيويورك.

– لم تكتب الكثير عن زوجتك وأولادك.

– لا. كتاباتي خيالية، وليست عن حياتي الحقيقية. هناك حدود بين الحياة الحقيقية والخيال.

– هل سبق لك العمل كصحفي؟

– لأسبوع واحد. كنت شاباً. جاء لي صاحب صحيفة يومية وقال لي، أهارون، أعرف أن لديك عائلة وأطفالاً وتحتاج إلى راتب شهري. لهذا لدي اقتراح. اكتب عموداً أسبوعياً لنا وسوف تحصل على راتب بسيط. وقال إني أستطيع كتابة ما أريد، ولهذا انشغلت طوال الأسبوع في ما سوف أكتبه! لم أحسم الأمر، لذا توقفت.

– حصلت على النجاح العالمي والترجمة عندما كتبت “بادنهايم 1939”. متى كتبته؟

– في نهاية الستينيات. كانت روايتي الثالثة. في الواقع، لم تكن رواية كاملة، كانت رواية قصيرة. الناس في إسرائيل انتقدوا الكتاب كثيراً.

– لم يحقق النجاح؟

– ليس في إسرائيل. لكنه حقق نجاحاً كبيراً في أمريكا.

– كيف وصل الى أمريكا؟

– شخص أحب الكتاب وترجمه، وبعد ذلك نُشر في أمريكا عن طريق دار نشر صغيرة اسمها گودين. وكتب أيرفينغ هاو مقالاً رائعاً عنها في النيويورك تايمز. في الصفحة الأولى من النيويورك تايمز بوك ريفيو. كان ذلك في عام 1980. كان عمري حوالي خمسين عاماً في 1980.

– وتغيّرت حياتك؟

– لا. لازلت أقوم بروتيني المعتاد.

– هل صنع لك النجاح صداقات جديدة؟

– نعم. لكن ليست كثيرة. فيليب روث، سول بيلو، مالامود، باشيفيس سينغر.

– أصبحوا أصدقاءك؟ أي نوع من الكتّاب هم؟

– أمريكيون يهود، حصلوا كلهم على تعليم جيد، وكلهم كتّاب متمرسون. قد لا يعترف جميعهم بأنهم كتّاب يهود، لكن في عينيّ هم يهوديون جداً، وأمريكيون جداً، أيضاً.

– هل جميعهم بنفس الجودة في الكتابة؟

– كل واحد منهم لديه مزايا مختلفة. فيليب روث لديه الكثير من الفكاهة، سول بيلو لديه عمق نفسي. أنا أحبهما، لكني لم أحاول أن أتعلم منهما. كتابتهما ليست جزءاً من كتاباتي. لا أقول هذا لأني أفضل أو أسوأ. تجربتي في الحياة تجربة مختلفة، وبالتالي كتاباتي مختلفة.

– هل ترى أن سينغر كاتب عظيم؟

– هو كاتب مهم جداً. من الصعب قياس العظمة. كان الأول في الأدب اليديشي وكتب بطريقة واضحة جداً عن الجنس وكل الانحرافات في الجنس. كان يحب الانحراف.

– هل هو كاتب جيد مثل سول بيلو؟

– إنه نوع مختلف. باشيفيس سينغر انحدر من عائلة حاخامية جداً. كان يعرف الديانة اليهودية عن ظهر قلب. فهم كل تفصيلة دقيقة فيها.

– أصبحت صديقاً مقرباً لفيليب روث. جاء لمقابلتك في نفس هذا المقهى. وبعد ذلك صنع منك شخصية في روايته “عملية شايلوك”.

– وفي روايته “الاحتيال” أيضاً.

– كيف أصبحتما صديقين مقربين وأنتما مختلفان إلى هذا الحد؟

– هذا مثل أن تقول: لماذا يعيش مع زوجته وهما مختلفان جداً؟ ماذا وجد في هذه المرأة؟ إنه يهودي جداً وهذا ما أحبه فيه. ردود أفعاله يهودية جداً. ورث اليهودية من والديه وأجداده ــ أجداده كانوا مهاجرين بطبيعة الحال ــ لم يرث التعليم ولا الدين، لكن وجودهم. على سبيل المثال، قال لي فيليب ذات مرة، كما تعلم، أحدهم يريد تحويل كتاب من كتبي إلى فيلم، لهذا سألت والدي ــ الذي كان ميتاً بالطبع ــ “ما هي نصيحتك؟”.

– بالعودة الى بادنهايم، رواية مكثفة جداً لكنها مليئة بالشخصيات. كيف حققت ذلك؟

– كتبت العديد من بادنهايم بطرق مختلفة. كانت هذه هي بادنهايم الأولى. من خلال بادنهايم أصبحت منسجماً مع شخصياتي.

– شخصياتك؟

– شخصياتي، أمي، أبي، كل أعمامي، كل عماتي، كل الأشخاص العاديين في عائلتي، كل المجانين في عائلتي، كلهم هنا في بادنهايم، لكنهم في عالم آخر.

– سمحت للقارئ أن يفترض بأن بادنهايم هو استعارة لمعسكرات الاعتقال. بعض النقاد تساءلوا لماذا لم تشرح ذلك.

– ولماذا عليّ أن أشرح؟ لنفترض أن بولندا هي استعارة لأوشفيتز. وهي استعارة لإسرائيل، للحياة اليهودية. لا تنسَ أن هناك ثلاثة ملايين يهودي كانوا يعيشون في بولندا قبل الحرب. أي ما يقارب دولة يهودية.

– ماذا كنت تفعل عندما كتبت بادنهايم؟

– كنت أبحث عن عمل وأُدرس قليلاً. في يوم ما أخبرني شخص أنهم بحاجة إلى مدرس للرقص.

– الرقص؟

– نعم. كان ذلك في نتانيا. كان هؤلاء هم الناجين من المحرقة في الأساس، أناس في الأربعين والخمسين من أعمارهم. فقدوا عوائلهم، ومنظمة العمل نظمت لهم الرقص ليتمكنوا من إيجاد شخص ما. كل شخص عليه أن يجد شخصاً آخر. رجل يجد امرأة وامرأة تجد رجلاً. وكان قدري أن أعلمهم الرقص.

– هل أنت راقص جيد؟

– أنا موسيقي ولدي أذن موسيقية، وفي المنزل اعتدت على مشاهدة أناس يرقصون.

– وعلمتهم … رقصة التانغو؟

– التانغو، الفالس، باسو دوبليه. أنا علمت النساء، وفتاة شابة علمت الرجال، وجمعناهم معاً بعد ذلك. لكنهم لم يكونوا سعداء، معظمهم فقدوا عوائلهم، أزواجهم وأطفالهم. والآن، جاء الرقص فجأة. وكان تراجيدياً كوميدياً. لأن النساء كن يضعن المكياج، وبعد خمس دقائق من الرقص، يسيل المكياج.

– هل ترى أن رواية بادنهايم هي عملك المميز؟

– إنها البداية. البداية لمنطقة أريد الكشف عنها ببطء. كانت واحدة من المرات الأولى التي خرجت فيها من القصة القصيرة. إنها شكل مختلف، أدب مختلف. كانت مثل الحفر.

– وهل أن لغتك العبرية كانت جيدة في بادنهايم؟ هل كنت سعيداً بها؟

– نعم. كانت منسجمة الى حد ما مع الحالة.

– هل كانت حالة متطرفة؟

– نعم، الرواية مهدت الطريق لي لأصبح أكثر انسجاماً مع هذا العالم.

– هل تكتب لنفسك أم للقارئ؟

– أنا أكتب الكتب. يجب أن يكون لها معنى.

– كيف بدأت في كتابة كتاب؟ هل كانت الحبكة في ذهنك مسبقاً؟

– لدي الموسيقى. لدي إيقاع الكتاب. في اللحظة التي يكون لدي فيها إيقاع الكتاب، يكون لدي الكلمات. الموسيقى هي التي تغذيني. وبعد ذلك، ببطء، ومع الموسيقى يصبح لدي فكرة عن المكان الذي أنا ذاهب اليه. أنا دائماً أذهب الى مكان ما. إلى موطن آبائي، من بيت أجدادي.

– في العديد من كتبك هناك طفل، يُدعى أحياناً أروين، وأحياناً فتاة وتُدعى تزيلي.

– كل كتبي هي أنا. كل شخصياتي هي أنا. في تزيلي أردت تشيئة حياتي في الغابة. هذا ساعدني في أن أجعل منها فتاة.

– من هو أروين؟

– اعتادوا أن يغيّروا اسمك عندما تصل الى إسرائيل، منحوني اسم أهارون. اسمي الحقيقي هو أروين. من المؤلم جداً أن تتخلى عن اسمك.

– هل تحب اسم أهارون؟

– لا. لكني اعتدت عليه.

– إذن الطفل الصغير في كتبك هو دائماً أروين؟

– دائماً.

– والأمهات في كتبك كلها أمك؟

– هن أمي، بطرق مختلفة. على سبيل المثال، هناك الكثير من الخادمات المسيحيات في كتبي، الخادمات اللواتي كنّ في منزلنا. هن أيضاً، بطريقة أو بأخرى، أمهات. أنا أحبهن. لم يكن هناك معانقة أو تقبيل في البرجوازية اليهودية، لكن مع الخادمات كان هناك معانقة وتقبيل طوال الوقت، وأنا أحببت ذلك. وليس هذا فقط، هن اعتدن على عضي، هنا وهنا. لهذا في المساء عندما تعد لي أمي الحمام تتساءل: “ماذا حدث لك؟”، “كاترينا عضتني”. “كاترينا تعالي الى هنا، لماذا عضضته؟”، “أنا أحبه، أنا أعشقه، لا يمكنني مقاومة ذلك”. كان هذا أيضاً تعلقي الأول بديني الحقيقي. الخادمات كن مسيحيات أرثوذكس. في منتصف النهار يظهرن مع أيقونة صغيرة ويضعنها على الطاولة، يركعن، ويصلين.

– فلوبير اعتاد على قول: “مدام بوفاري هي أنا”.

– نعم. لكن لا يفهم هذا الجميع. الآن فقط يفهم الناس هذا، نفسياً لا وجود للشخصيات، هناك وجود لـلـ “أنا” خاصتك فقط. تلك الفتاة الصغيرة لم تحبني، لكنها تحبني. ما أكتبه في كتبي لم يحدث لي كما كتبته. أنا لا أنسخ حياتي.

– كيف تحوّل حياتك الى رواية؟ ما هي التقنية الذي تستخدمها؟

– التقنية؟ ليس هناك تقنية. لكن على سبيل المثال، اعتدنا على الذهاب كل سنة الى المنتجع. كنت أذهب مع والديّ، كنت في الخامسة أو السادسة من عمري. ذاكرتي هي ذاكرة طفل. لهذا أعدت تشكيل الناس، لأني لا أتذكرهم. أعدت تشكيلهم بطريقة أستطيع من خلالها رؤية المنتجع وإعطاء أسماء للناس. الأسماء تساعدني.

– كم عدد الكتب التي كتبتها؟

– اثنان وأربعون كتاباً.

– اثنان وأربعون كتاباً. وتعيش هنا منذ حوالي سبعين عاماً. وسمعت أنك الى الآن لا تعد القدس مدينتك.

– أولادي وُلدوا هنا، هي مدينتي بطبيعة الحال. لكن هل هي مدينتي الحميمة؟ لا. مدينتي الحميمة هي مزرعة جدي وجدتي في منطقة جبال الكاربات. الأشجار، النهر. هذا هو المكان الذي أشعر فيه بالطمأنينة.

– هل تشعر بأنك إسرائيلي؟

– أنا إسرائيلي جداً، إسرائيلي الى أبعد حد.

– هل أنت مهتم بالحياة في إسرائيل، السياسة، الرياضة، والأمور الاجتماعية؟

– الرياضة نعم. لكني لست كائناً سياسياً.

– هل سبق لك أن ألفت كتاباً عن إسرائيل؟

– نعم، كان عن المقاهي التي جلست فيها. هي ليست كثيرة جداً. لم أغيّر الكثير من النساء، ولا الكثير من المقاهي.

– لماذا؟ هل لأنك رجل مخلص؟

– نعم.

– وبالتالي؟

– وبالتالي، أغير المقهى بعد أن أجلس فيه لعشر سنوات، خمس عشرة سنة، عندما يبيع المالك المقهى. كل مغامراتي في الحب انتهت عندما أصبح عمري اثنين وثلاثين عاماً، عندما تزوجت.

– وهل أنت زوج سعيد؟

– أنت تكتشف شريك حياتك، وهو يكتشفك طوال الوقت. من الممكن أن يكون حباً دائماً، حتى لو كنت متزوجاً لخمسين عاماً.

– هل أنت أب طيب؟

– لا أعلم. أنا أحب أولادي، وأظن أنهم يحبونني أيضاً. هم متعلقون بي جداً.

– هل تظن أن كتابتك قد تحسنت على مر السنين؟

– لست الرجل المناسب للحكم عليها. التغييرات تتراكم ببطء شديد. لم أغيّر أبداً موضوع كتابتي. إنها لاتزال في منطقة جبال الكاربات، لا تزال مع والديّ.

– لماذا لم تغيّرها؟

– يمكنك أن تسأل نفس السؤال لكافكا في “المحاكمة”، “القلعة”، “أمريكا”، القصص القصيرة ــ هي نفس المادة. هل غيّر ديستوفسكي موضوعه؟ هي نفس الطبقة الأرستقراطية، هم في السجن، هم في الكازينو، هم نفسهم لم يتغيّروا. لديهم أسماء مختلفة، لكنهم أنفسهم.

– هل تظن أن أمك سوف تحب كتبك؟

– لم أفكر في هذا أبداً. عقلي ليس تأملياً.

– أي نوع من العقول لديك؟

– عقلي، وقبل كل شيء، هو ما أرى، ما أشعر، ما أتخيّل، ما أعرف. ليس فيه شيء من التأمل.

– هل أنت مهتم بالنقاد أو النقد؟

– أحب دائماً أن يقول شخص ما كلمات جميلة عن أعمالي. كل شخص منا يحب أن يقول شخص ما كلاماً جميلاً عنه.

– لكنك لا تحب قراءة كتب النقد.

– أحب قراءة مقالات تي. إس. إليوت.

– لماذا؟

– لأن فيها حكمة. لديه شيء يقوله عن الأدب، لديه شيء يقوله عن الدين، لديه شيء يقوله عن التعصب. لديه شيء يقوله أيضاً عن اليهود الذين لا أحبهم.

– ديستوفسكي كان معادياً للسامية. لكنه لم يعرف اليهود بشكل جيد جداً.

– لم يعرف اليهود. لديه الكثير من الأصدقاء اليهود المقربين. لكنه كان يصفهم كلهم مع أنوف طويلة وجيوبهم مليئة بالمال. شيء من هذا القبيل مع تولستوي أيضاً. وهذا مؤلم لأن تولستوي كتب بشكل جميل عن الحيوانات، عن الخنازير، عن الخيول. هو يشعر بها، يفهمها، لكن عندما يتعلق الأمر باليهود…

– متى اجتمعت بوالدك؟ كم كان عمرك؟

– كنت في الثامنة والعشرين.

– وكيف شعرت به؟

– كنت شخصاً بالغاً. وكنت قد حصلت على شهادتي الجامعية الأولى. كان هو الأب الذي لم أره منذ حوالي عشرين عاماً. كان مثل رجل أجنبي بالنسبة لي الى حد ما. رأيته كرجل شاب، والآن أراه كرجل عجوز.

– لكنك كنت تحبه؟

– نعم، نعم، لكن ليس بنفس الطريقة التي اعتدت فيها على حبه، بسبب السنوات التي فرقتنا.

– كان الأمر غريباً جداً بالنسبة له.

– بعد المخيمات، لا شيء غريب على الإطلاق.

– أنت لا تتحدث كثيراً عن الناجين الفارين من المحرقة. تحدثت عنهم قليلاً، لكن ليس كثيراً.

– ليس الأمر هكذا. في العديد من الكتب، تحدثت عن أهل الشاطئ.

– من هم أهل الشاطئ؟

– هم الناس الذين وصفتهم في كتابي الأول وكتبي الأخرى أيضاً. الذي جاؤوا إلى إسرائيل ولم يذهبوا الى كيبوتز ولم يؤسسوا حياتهم، ولم يعملوا ــ هم نوع من البوهيميين. يعيشون في الخيم، يعملون في التهريب، يتعاملون بأموال أجنبية، يبدلون أموالهم طوال الوقت. يقومون بكل أنواع المضاربات. بعد حياة المخيمات، لا يمكنهم أن يصبحوا أناساً عاديين. هم يعيشون على الساحل، على الشاطئ.

– هل تحب هؤلاء الناس؟

– نعم.

– لماذا؟

– لأنهم يشربون كثيراً. يدخنون كثيراً. لديهم نساء. هم جزء من روحي. علموني شيئاً عن الناس الذي لا يعيشون حياة طبيعية. الوضع الطبيعي بالنسبة لهم أمر مثير للسخرية.

– وكذلك بالنسبة لك؟

– بالتأكيد. ها! بطريقة أو بأخرى. حتى الآن أنا أخبرتك بكل أسراري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* Machzorأو The mahzor: هو كتاب الصلاة المستخدم في رأس السنة العبرية وويوم الغفران.

المصدر: باريس ريفيو 2014

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: