«الحاج مراد» لـتولستوي بعد أحداث بوسطن

 

بنيامين لايتل

ترجمة: ميادة خليل

 

أثناء تتبع أخبار الأخوة تسارناييف على السي ان ان، ومحاولتهما الهروب من “حريق المجد”*، كان هناك تعليق لأحدهم أثار فضول وسائل الأعلام: ألم يكتب تولستوي رواية عن الثوار الشيشان، اسمها “الحاج مراد”؟ نعم، كانت روايته الأخيرة، كتاب صغير من مئة صفحة تقريباً، كتاب يجب على الجميع أن يقرأه. ومع أن الرواية قدمت أوجه شبه بسيطة مع قضية الإرهاب في القرن الواحد والعشرين، إلا أنها مهدت الطريق أيضاً لتظلم الشيشان ــ والاختلاف القبلي. لكن ما كان أكثر حدة، عندما عرضت صورة جوهر تسارنييف على الرأي العام، هو فطنة تولستوي إلى التقارب الرهيب بين الرغبات البطولية وبراءة الأطفال.

تولستوي كان أول من رفض فكرة “إطفاء حريق المجد”. في مشاهد المعركة هو سيد خيبات الأمل: ربما أفضل ما أتذكره من رواية “الحرب والسلام” بأكملها هو الشاب نيكولاي روستوف المتهم الأول في سلاح الفرسان: أصيب وهو على الفرس برصاصة شاب قلق في العشرين: “ليس هناك من يتبعني، لا يستطيعون اللحاق بي. لماذا؟ هم لا يريدون قتلي!. الجميع يحبونني!” مثل، أحد المشتبهين، الكثيرين طاردوا الشابين، أما نيكولاي طارده “كل الحب الذي منحته له والدته، عائلته وأصدقاؤه”. هو لم ينسجم مع هذه الخلفية والمتاعب التي حصلت له.

تولستوي كان رجلا معقدا، على أية حال. فهم المجد، حتى في عبثيته. مكسيم غوركي يروي قصة، في كتاب مذكراته الذي لا يقدر بثمن، عن ردة فعل تولستوي عندما اقترب منه فارسان فخوران، يسيران في الشارع ويرتديان درعاً براقاً، تولستوي لعنهما: “حمقاوان فخوران، إنهما ليسا سوى حيوانات سيرك علموهما بالعصا..” ولكن عندما مرا من أمامه، حدق بهما بإعجاب: “كم هما رائعين!. الرومانيون القدامى، إيه، ليوفشكا؟”.

تبدأ رواية تولستوي التي نشرت في 1904 مع صبي عمره 15 عاماً يتأمل مسمى البطل. “الجميع في الجبال يعرفون الحاج مراد، وكيف قتل الخنزير الروسي” خيانة من قبل زعيم الشيشان، شامل، جعلت مراد مطاردا في بداية الرواية، يلف نفسه ببرقع. الصبي لا يتوقف عن التحديق في وجهه ــ بالتأكيد، “ينظر بعينين متلألئتين، بعينين سوداوين مثل البرقوق” كلمة البطل فيها كل الاحتمالات الحلوة والبائسة لحياة طفل يائس. عدة فصول بعد ذلك تتحدث عن قرية الصبي التي لجأ اليها مراد، والتي سيتم تدميرها من قبل القوات الروسية.

الروس، ليسوا أقل من الشيشان، هم أيضاً حريصون على إلقاء نظرة على مراد. اضطر بسبب عداوته لشامل إلى التخلي عن قتال الروس والذهاب اليهم: الضابط الذي اقتاده إلى السجن ليس لديه مترجم، وكان يتحدث معه بالإشارة والابتسامة. مراد ابتسم له “تلك الابتسامة أثرت على بولتوراتسكي بحنانها الطفولي.. كان يتوقع أن يرى رجلاً عابسا وصعب الطباع، وهنا شخص مرح، ابتسامته كانت طفولية جداً شعر بولتوراتسكي كما لو أنه يعرفه من قبل. لديه ميزة واحدة: عيناه، عيناه واسعتان، يحدق من تحت حاجبيه السوداوين بانتباه، بهدوء وذكاء ينظر إلى عيون الآخرين”. هو سحر مراد الذي يخشاه الروس. أحضر الضابط مترجما له وسمح له بالصلاة في أوقات معينة. “إنه محبوب، قاطع الطريق هذا!” قالت زوجة الضابط. تولستوي حساس جداً إلى الطريقة التي ننظر بها إلى أعدائنا ذوي الوجه الطفولي: تسامحنا الظاهري، عفونا الداخلي، غرورنا، اعتقادنا الليبرالي بأننا نعرف أعداءنا بالفعل.

من الغريب أن تولستوي في ذلك الوقت معلم المقاومة السلمية الذي ألهم غاندي، كتب في روايته الأخيرة عن بطل أبقى خناجر متعددة على شخصه. حتى أكون واضحاً: لا مراد ولا الشيشانيون الآخرون كانوا أرهابيين في قصة تولستوي. إنهم ثوار متمردون يدافعون عن وطنهم ضد الغزاة الروس، الذين يريدون الاستيلاء على القوقاز وضمها إلى امبراطوريتهم حتى جورجيا. أمنيات مراد بأن يمنحه الروس جيشاً لقتال شامل. حلمه في أن: “يأخذوا شامل إلى السجن، وينتقم لنفسه، وكيف سيكافأه القيصر الروسي، وكيف سيحكم مرة أخرى أفاري والشيشان بأكملها”.

معظم الشيشانيين في الرواية أقسموا على شكل من العنف السياسي. لكنها توجه عادة إلى الشيشانيين الآخرين: هناك عالم من الضغائن الدموية المتبادلة. هي حصيلة اعتقادهم بأن الأمبراطورية الروسية بمثابة البيدق في لعبتهم.

كما هو الحال في “الحرب والسلام” أو “آنا كارنينا”، تولستوي بنى رواية “الحاج مراد” من حبكات متعددة، حيث يدور بينها من أجل تأثير بارع ومختلف للغاية. ولكن لأن رواية “الحاج مراد” لا تتعدى صفاحتها الـمائة صفحة، فإن بناءها كان واضحاً. لودفيج فيتجنشتاين، كان معجباً بها، قال عنها: “تمتلك برود، ووضوح العمل المتأخر”. الناقد جون بايلي قرأ الكتاب كإبداع لتولستوي، وبالتأكيد: مراد العنيف عكس تولستوي الذي مات في محطة قطار استابوفو وهو يردد :” أنا لا أعلم ماذا عليّ أن أفعل.” لكن الكتاب يجب أن يقرأ لمجرد دراسة هذا النوع من الحيرة. ولكي يتناسب حجم الرواية مع كل وجهات النظر: كان تولستوي يميّز ويحفز كل شخصيات الرواية من القيصر نيقولا الأول إلى أفراد الجيش ــ مثل بتلر، وهو رجل مدمن على القمار، أو افدييف، الذي فتح موته جانب مدهش في حياة والديه الفلاحين ــ إلى العديد من أتباع مراد (خاصة إلدار الخجول) وإلى شامل نفسه.

في سياق القصة، موت أي شخص في الأساس لا يعني شيئاً. إذا كان مراد بطلا، ربما يكون بايلي على حق حين قال: ببساطة هو بطل لأنه حازم. تعب من انتظار الروس من أجل أن يغيروا رأيهم حول قضيته، خرج مع أتباعه في أحد الأيام، إلى الجبال. وفي محاولة لقطع حقول الرز المغمورة بالمياه، غاص هو وأصدقاؤه في المستنقع. فقرروا التخفي والنوم خلال الليل، حسب نصيحة قروي حمل لهم معلومات سرية عن الجيش. عند الفجر، وجد مراد مجموعة من الروس يتقدمون على جانب واحد. وعلى الجانب الآخر ــ وهذه هي الحقيقة التكتيكية الحاسمة ــ المقاتلون الشيشان الذين خانوه.

مع موسيقى تصويرية مناسبة، ومخرج هوليودي، ممكن لحريق المجد أن يحدث. ولكننا نعرف أن حياة مراد لم تكن مجيدة. قضى حياته في الانتظار في غرف الجنرالات الروس. قراره في المرور عبر حقول الرز، كان قراراً غبياً، لا معنى له. لذا نهاية العالم ليست الآن، كما يظن بعض الأرهابيين. لو كانت رواية تولستوي الأخيرة قد قدمت وجهة نظر أكثر توازناً عن السياسة الإمبريالية من رواية “قلب الظلام” لــكونراد (التي كانت معاصرة)، فذلك لأن تولستوي يعلم أنه لا يوجد جزء أخير: للنزاعات التي سوف تبقى إلى الأبد.

في النهاية، تولستوي اهتم بالمجد بشكل أقل من اهتمامه بأي موضوع آخر: اهتم أكثر بالأسلوب الذي ينظر فيه طفل إلى البطولة. رأس مراد قُطع وحمل من معسكر إلى آخر: “تم حلق رأسه، ولكن بطريقة غير صحيحة، وكان هناك دم متجمد في أنفه.. ــ وهناك العديد من الجروح في رأسه، ومع ذلك ظلت شفتاهه الزرقاوان تحملان تعبيراً طفولياً”. الروس أصدقاء مراد، صدموا من موته.

فقط قبل نهايته، وهروبه المتمرد، تأمل مراد طفولته ــ وطفولة ابنه، الذي يريد إنقاذ مصيره المأساوي. تذكر أغنية. ألفتها أمه عند ولادته، كتبتها لوالده:

“سيفك الدمشقي الصلب مزق حضني الأبيض

لكني قريباً سأضع فيه ولدي الصغير

أغتسل بدمائي المتدفقة الساخنة، والجرح سيلتئم تماماً

بدون أعشاب أو شيء آخر

كما أنا، في مواجهة الموت، لا أعرف الخوف، كذلك هو.

ولدي، ولدي الشجاع، سوف يتحرر من الخوف كله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* حريق المجد: اسم فيلم حربي 1963. وفيه إشارة إلى أحداث ماراثون بوسطن.

 

المصدر: The Daily Beast

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: