عصر ماركس: بيريسترويكا دريدا…

 

*بيغي كاموف

ترجمة : ميادة خليل

بمناسبة الذكرى العشرين على مؤتمر ” الماركسية الى أين ؟” فكرة ستيفن كولنبرغ وبيرند ماغنوس، والذي نظمه مركز الفكر والمجتمع في جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، طلبنا من بيغي كاموف دراسة المحاضرة التي ألقاها جاك دريدا هناك، “أشباح ماركس“. المحاضرة نشرت على شكل كتاب، ترجمتها كاموف الى اللغة الإنكليزية. وتعتبر نص مميز في أعمال دريدا.

*

أعني قراءتي لماركس عندما يحين الوقت” هكذا صرح دريدا في مقابلة مع مايكل سبرنكر في 1989. بعد أربع سنوات، دُعي الى مؤتمر “الماركسية الى أين؟” وذهب الى المؤتمر فقط من أجل : قراءته لماركس. كان ذلك في نفس السنة التي سقط فيها جدار برلين، وتوالى سقوط قطع الدومينو في جميع أنحاء الكتلة الشيوعية السابقة. لذلك ــ على انقاض الماركسية، وعلى قبر الماركسية اللينينية الستالينية، أو أياً كان الأسم رسخت بنية وحشية سقطت بشكل منفصل في نهاية المطاف ــ أخيراً حان الوقت لقراءة ماركس.

وأي حدث هذا !

محاضرة “أشباح ماركس” نوع من الأسطورة العلمية المعاصرة، المحاضرة ألقيت في مؤتمر ريفرسايد، كانت أول غزوة  لدريدا على ماركس والنظرية الماركسية.  إنها نوع أمريكي خاص من الأسطورة، ألقت بفكر دريدا في مكان ما خارج دائرة التأثير الماركسي. هذا الإصدار قال الكثير، وبلا شك، عن الاستقبال الأمريكي لدريدا أكثر من الحديث عن كيفية وصول أعماله الى مرحلة “أشباح ماركس“. ربما سعى دريدا أيضاً الى تجنب سوء الفهم من خلال تذكير جمهوره الأمريكي الكبير بأن الماركسية كانت بمثابة حليب الأم بالنسبة له ولأبناء جيله. فعل ذلك بشكل عابر، وبطريقة أعلانية مغرية سوف يقاوم في المحاضرة : سحر السرد من الذاكرة.

ما كان بالنسبة لي ولأبناء جيلي الذين تبعوا الماركسية لحياة كاملة، كانت التجربة الماركسية، الشخصية الأبوية لماركس، الطريقة التي قاتلت فينا مع المقربين منا، قراءة النصوص وتفسير عالم كان فيه الأرث الماركسي ــ ولا يزال، وسيبقى ــ محدوداً تماماً وبكل تأكيد.

لم يقصد التباهي عندما أدعى البنوة من ماركس. في كتاب “شباب دريدا، والفلسفة الفرنسية، 1945-1968” (مطبعة جامعة كامبردج، 2011)، إدوارد بارينغ نَفذَ في تفاصيل ذاكرة دريدا واستحضرها بشكل سريع هنا. إعادة بناء الأرشيف الدقيق لــبارينغ عن سيرة الرحلة الفكرية لدريدا في بدايتها يميل بقوة الى تأكيد ومع قدر كبير من التفصيل، الى أن صورة الجيل حددها ماركس “تماماً وبكل تأكيد”، بطريقة خاصة لذلك المكان والزمان.

الزمان كان، فرنسا ما بعد الحرب، في الخمسينيات والستينيات، والمكان كان مركز تدريب النخبة من الفلاسفة الفرنسيين، مدرسة الأساتذة العليا. دريدا اعترف بمزاجه المخلخل كطالب في 1952 ، و في 1965 عاد الى هناك ليدرس الفلسفة. كما وثّق بارينغ، كانت العقيدة الماركسية قد سيطرت على التيارات الفكرية في مدرسة الأساتذة العليا في بداية الخمسينيات. كان هناك خلية طلابية للحزب الشيوعي الفرنسي. الضغوط كانت شديدة للأنضمام الى الحزب أو أن يعتبر غالباً عدواً للشعب. التيار القوي الآخر، كان بالطبع الستالينية، وهي مزيج من الفكر المسيحي والفينومينولوجيا التي وجهت دريدا الى ذلك المكان عندما كان طالباً. وغني عن القول، أن هذه التيارات والجماعات تشكلت حولهم خصوصية متبادلة. كما يشير بارينغ، أن في مرسوم بابوي صدر في 1949، طرد جميع أعضاء الحزب الشيوعي. لكن بالنسبة لدريدا، كيهودي من الجزائر، تأهل بالفعل كدخيل على تهمتين على الأقل، أكبر الضغوط كانت من الحزب الشيوعي للأنضمام الى الحزب واتباع نهجه. ” عندما كنت طالباً في مدرسة الأساتذة العليا” يقول دريدا في حواره مع سبرينكر :

مجموعة المدرسة الشيوعية كانت قد فرضت هيمنتها بالفعل ــ الستالينية والهيمنة. وكان من الصعب جداً على شخص مع اليسار ( هل هناك حاجة لتذكير الناس بأني دائماً مع اليسار ؟) فكرة أن يكون مشفر شيوعي أو زميل رحلة فقط. كان من الصعب جداً عدم الأنضمام الى الحزب.”

في الوقت الذي عاد فيه الى مدرسة الأساتذة العليا عام 1965 ، هذه الصورة لم تتغير كثيراً. على الرغم من أن الستالينية أصبحت منسية الى حد كبير، إلا أن الحزب لا يزال يحكم، وبقيادة الفيلسوف الماركسي لويس ألتوسير الذي كان يشرف على أعضاء الحزب في المدرسة ونظرية الحزب الشيوعي الفرنسي بأكملها. ونتيجة لذلك، واجه دريدا تحديات من قبل طلابه أنفسهم، الذين أرادوا منه تأييد ما قاله ألتوسير بشأن “المقاطعة المعرفية” التي من المفترض أن تضع علمية ماركس فيما بعد بمعزل عن إنسانية الفرد سابقاً. لكن هذا الاختلاف، كما يراه دريدا، أعتمد أكثر مما ينبغي على المفاهيم الميتافيزيقية ــ على سبيل المثال، مفاهيم العلوم والتاريخ ـــ وتجانس النص الماركسي على جانبي الأنقسام المفترض والذي أقنع الآخرين بتعقيد أكثر أو نماذج متشددة. ثم بدأ دريدا بدراسة علم الكلام الذي أرتبط الى حد بعيد بالنص الفلسفي، سواء كان لـهوسرل، روسو، نيتشه أو، نعم، حتى ماركس.

ومرة أخرى، رفض دريدا طلب التأييد، القراءة المهيمنة لماركس. بالفعل، دريدا يريد : “قراءة ماركس” ومع ذلك، وخلال السبعينيات والثمانينيات، عاد ليضع بصمته في تفكيك ماركس.  صمته حول الموضوع كان قد وصل الى ثغرة أو حتى فجوة لدى جماعات معينة. إحدى هذه الجماعات كانت مجموعة “تلكيل“، التي رحبت بدريدا بعد نجاح كتاب “في علم الكتابة” 1967 . لكن “تلكيل” مثل مدرسة الأساتذة العليا، كانت تمتلك جناحاً ماركسياً قوياً، ومثل طلاب دريدا، دفعوه للأجابة حول صمته بخصوص ماركس. في مقابلة طويلة نشرت في 1971 ، وضح دريدا رأيه قبل أن يبدأ سيل الأسئلة الملحة التي وجهها له أحد أفراد التلكيل وهو جان لوي هادوبن، ومن هذه الأسئلة : “هل يمكن أن تخبرنا لماذا تشير الى نيتشه وفرويد، بينما التعليق (وهذا التعليق مثالي جداً للقراءة) يشير الى ماركس ومع ماركس، والنص الجدلي المادي ؟” سأله هاودبن مختصراً رده الطويل، والذي كان فيه نبرة غضب. أجاب دريدا:

قد تتخيل أني لم أكن على علم تماماً بذلك. قلت ذلك، مازلت أعتقد بأنه لا توجد أي فائدة، نظرية أو سياسية، من تعجيل إجراء تواصل أو تعبير طالما شروط فعله لم يتم توضيحها بدقة […] ثق بي عندما أقول أن “ثغرات النص” التي تلمح اليها تحسب صراحة الى أحداثيات وضع النظرية التي لا تزال، بالنسبة لي على أي حال، لم تحدث بعد.”

دريدا يمضي في توضيح بعض المبادئ الأساسية في القراءة التفكيكية للنصوص الماركسية في تعليق من خمس صفحات، حيث قاطعه المحاور مذكراً : ” الخطاب المرتجل في مقابلة لا يمكن أن يكون بديلاً لعمل نصي” أستغرق الأمر أكثر من عشرين سنة قبل أن يكون دريدا مستعداً لتنفيذ هذا الملخص الأرتجالي في “أشباح ماركس“. حسناً، ليس مستعداً، لا، لا أحد كان مستعداً لما حدث في 1989، ولا حتى مارغريت تاتشر أو رونالد ريغان، اللذان كانا مستعدين على تحمل مسؤولية الأحداث التي لم تكن متوقعة على الأطلاق من أي شخص آخر. عدم القدرة على التوقع عجل ظهور كلمة مركبة أحتفظ بها في تعليق لمدة 40 سنة. أربعة عقود على الحرب الباردة. وللمساعدة في نقل معنى الحادثة المفاجئة لما لم يكن متوقعاً، وَثق دريدا ذلك في جمل معترضة في “أشباح ماركس” : “(في 1981، أثناء سجني في براغ من قبل أولئك الذين كانوا في السلطة آنذاك، قلت لنفسي بأحساس ساذج يقترب من الحقيقة : هذه الهمجية يمكن أن تستمر لعدة قرون […])“. هذه الذاكرة الصريحة (حيث ألقي القبض على دريدا بتهمة تتعلق بالمخدرات، تهمة زائفة رتبتها الحكومة التشيكية) أثارها ضرورة مراعاة بعض التأخير أو التسرع الذي يؤثر على تجربة زمانية. ولأنها مشروطة أساساً بالأحداث التي يمكن أن تفاديها، فأن هذه التجربة أعلنت التزامن مع نفسها كحاضر. كما قال هاملت “القدر يناديني” عبارة تكاد تكون قد نقشت من أجل “أشباح ماركس“. ودريدا أسماها “الشبحية.

لكن يجب أن لا أندفع في عمل أطروحة عن أدلة الكتاب. أي شخص يمكنه قراءته لنفسه، الى جانب ذلك، ليس هذا هو المكان المناسب. للاحتفاء بهذا الحدث، يجب أن أنقل بعض الحالات التي شهدتها، أستجوب ذاكرتي وأجعلها تتنازل وتتحدث بالتفاصيل. أعتقد أنه يمكنني أن أقول القصة من جديد عن الأسابيع التي تمت فيها ترجمة “أشباح ماركس“، عندما خرجت الصفحات من طابعة دريدا. كان سريع الكتابة، كالعادة، لكن الوقت قصير. هذا ما أتذكره على وجه الخصوص : الوقت ينفد، أنت دائماً لا تجد الوقت. كأجراء وحيد لضيق التنفس عندما يأخذ كل شيء مكانه، أُهدي الكتاب الى كريس هاني، رئيس الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا، لم يكتب الأهداء حتى أسبوع قبل أغتيال هاني في 10 أبريل 1993 وبضعة أيام قبل أفتتاح المؤتمر.  كذلك كأجراء لكيفية ظهور الكتاب الى جانب الأحداث، سواء بعد حدوثها كما حدث مع أغتيال هاني المأساوي، أو التوتر في مواجهة كيف نعرف ما هي الأحداث التي لم تأتِ بعد.

كان إذاً دمج التأخير والتسرع، التأجيل والتهور، الذي كانت حصيلته “أشباح ماركس“. هذا العمل توقف تنفيذه الطويل مع تسارع الأحداث غير المتوقعة في برلين، موسكو، براغ، وارسو، بودابست، سراييفو، وأماكن أخرى. لاحظ دريدا أن  الأحداث تحدث :”في إيقاع لا يمكن لأحد في العالم أن يحسب حسابه مقدماً. ولا حتى لبضعة أشهر قبل حدوثه”  وبعبارة أخرى، العالم كان يشبه تماماً الفيلسوف المسجون في 1981، الذي أعتقد بسذاجة أنه ” يمكن أن يستمر ذلك لعدة قرون.

مع المضي الى الأمام وبعد عقد من الزمان تقريباً، الى فبراير 1990 : دريدا دعي لألقاء محاضرة لأول مرة في موسكو. مضيفيه هم فلاسفة شباب مرتبطين بأكاديمية العلوم في الأتحاد السوفيتي. على الرغم من أن لا أحد يستطيع التنبؤ بما يحدث بالضبط، تجربة الغلاسنوست* جورباتشوف التي بدأت عام 1986، كانت قد وصلت مدتها. بعد زيارة دريدا بسنة، وفي 1991، حدث انقلاب قطع جهد جورباتشوف القصير في أنقاذ الأتحاد السوفيتي خلال البيريسترويكا* هل تذكر البيريسترويكا ؟ حسناً، تذكر كيف أن هذا الأسم الغير قابل للترجمة سمي به العصر وأحداثه. تعلمنا جميعاً كيف ننطق بيريسترويكا. في 1989، الكلمة دخلت قاموس أكسفورد الإنكليزي الطبعة الثانية (“في الأتحاد السوفيتي السابق تعني الكلمة : إعادة بناء أو أصلاح النظام الأقتصادي والسياسي. والفترة التي تم فيها تنفيذ إعادة البناء تلك)، اُستخدم المصطلح لأول مرة من قبل الواشنطن بوست في 1986 : “إذا كان يمكن أن تعبر الكلمات عن مرحلة ما، فأن بيريسترويكا هي الشعار هنا قبل افتتاح مؤتمر الحزب الشيوعي يوم الثلاثاء عندما قدم القائد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف بياناً لحسم مرحلة قيادته.

في تلك اللحظة المصيرية، دريدا سافر الى موسكو. بعد ذلك، كتب بشكل عابر عن الرحلة، في نص باللغة الإنكليزية بعنوان “عبر البيتلز : العودة من موسكو، في الأتحاد السوفيتي” من بين الحكايات القليلة المباشرة التي رويت في ذلك الوقت، دريدا يذكر بأن :” العديد من المحاورين […] قالوا لي أنهم يرون بأن أفضل ترجمة لبيريسترويكا، والترجمة التي يستخدمونها فيما بينهم هي “التفكيكية””  وتذكر كيف أن زميله السوفيتي قال له “تفكيكة ؟” هذا هو الأتحاد السوفيتي اليوم.

بيريسترويكا، جاءت لتكون واحدة من الأسماء الأخرى للتفكيكية (ودريدا أصر دائماً على أسماء أخرى للتفكيكية). في 1993، الأتحاد السوفيتي فكك نفسه، ومعه الأنظمة في جميع أنحاء أوروبا الشرقية، ليس من المستغرب أن من يسمى بـ “أب التفكيكية” يُستدعى ليجيب على سؤال :” الماركسية الى أين ؟” بيرند ماغنوس وستيفن كولنبرغ. منظمي المؤتمر، وضحا الأمر كالتالي :

يبدو من المهم بالنسبة لنا عقد اجتماع يضم واحداً من أشهر الفلاسفة المعاصرين وأكثرهم تأثيراً ــ جاك دريدا ــ الذي يستطيع أن يفكر في موضوع المؤتمر، الذي لم يتمكن من تنفيذه لحد الآن بطريقة تمكن من نشره. كنا نظن أن مثل هذا التفكير المؤيد لماركس من قبل دريدا سيكون بالفعل ذا أهمية تاريخية.

طموحي (المفرط ربما) أن أدعوا الى قراءة جديدة لماركس.” قال دريدا في مقابلة عام 1989 مع سبرينكر. القراءة التي اقترحها منذ عشرين عاماً كانت مطاردة بأشباح ماركس وماركس المسكون بالأرواح، الأشباح التي جادلها دريدا، والتي علينا أن نواجهها في المستقبل. بالنسبة لفرضية القراءة الجديدة فأن أشباح ماركس عادت من المستقبل الذي لم يعد حاضراً، والذي لا يقل شبحية عن الماضي. من الجيد أن نتذكر ذلك الآن، ونتذكر أن “أشباح ماركس” سوف تبقى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: LARB

  • ·       بيغي كاموف: أستاذة اللغة الفرنسية والأدب المقارن في جامعة جنوب كاليفورنيا وهي مديرة الدراسات المقارنة في الأدب وبرنامج الدكتوراه الثقافي. آخر كتاب صدر لها :”يقظة جاك دريدا”.
  • ·       غلاسنوست: هي سياسه الدعاية القصوى والانفتاح والشفافية في انشطة جميع المؤسسات الحكومية في الاتحاد السوفيتي سابقاً بالإضافة إلى حرية الحصول على المعلومات. واطلقت هذه الدعوة بواسطة الرئيس الروسي السابق ميخائيل غورباتشوف في النصف الثاني من الثمانينيات.
  • ·       البيريسترويكا: وتعني “إعادة البناء” هي برنامج للإصلاحات الاقتصادية أطلقه رئيس الاتحاد السوفييتى، ميخائيل غورباتشوف وتشير إلى إعادة بناء اقتصاد الاتحاد السوفيتى.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: