الروائي الساذج والحساس

 

 المحاضرة الأولى:

كيف تعمل عقولنا عندما نقرأ رواية ؟

 

 اورهان باموك

ترجمة: ميادة خليل

 

الروايات حياة ثانية. مثل الأحلام التي تحدث عنها الشاعر الفرنسي جيرارد نيرفال، تكشف لنا الروايات الألوان والتعقيدات في حياتنا وهي مليئة بالناس، الوجوه والأشياء التي نشعر بأننا نعرفها من قبل. تماماً كما يحدث في الأحلام، عندما نقرأ الروايات نتأثر أحياناً بقوة  الطبيعة الخارقة للأشياء التي تصادفنا والتي تجعلنا ننسى أين نحن ونتصور أنفسنا في وسط الأحداث الخيالية والشخصيات التي نشهدها. في مثل هذه اللحظات، نشعر بأن عالم الرواية الذي نلتقي ونستمتع به هو أكثر واقعية من الواقع نفسه. هذه الحياة الثانية تظهر بالنسبة لنا أكثر واقعية من الواقع، غالباً ما يعني هذا أننا نستعيض بالروايات عن الواقع، أو على الأقل نحن نخلط بين الروايات والواقع. ولكننا لا نتذمر من هذا الوهم، هذه السذاجة. في المقابل، تماماً كما يحدث في بعض الأحلام، نحن نريد للرواية التي نقرأها أن تستمر ونأمل بأن هذه الحياة الثانية تظل تستحضر فينا مشاعر متناغمة مع الواقع والحقيقة. بصرف النظر عن وعينا من الدور الذي يلعبه الخيال في الرواية، إلا أننا ننزعج إذا فشلت الرواية في تعزيز  تصورنا بأنها حياة حقيقية بالفعل.

نحن نحلم ونفترض حقيقة هذه الأحلام، وهذا هو تعريف الأحلام. وكذلك نحن نقرأ الروايات ونفترض أنها حقيقية ــ لكن في مكان ما في عقلنا نحن نعرف جيداً أن افتراضنا خاطئ.  هذه المفارقة تنبع من طبيعة الرواية. دعنا نبدأ بالتأكيد على أن الإبداع الروائي يعتمد على قدرتنا في تصديق حالات متناقضة في وقت واحد.

أقرأ الروايات منذ أربعين عاماً. وأعلم أن هناك الكثير من المواقف التي يمكننا إتخاذها بالنسبة للرواية، هناك طرق كثيرة نلزم أنفسنا وعقولنا بها، نتعامل معها بجدية أو ببساطة. وبنفس الطريقة تماماً، تعلمت بواسطة التجربة أن هناك طرقاً كثيرة لقراءة الرواية. نقرأ أحياناً بمنطقية، أحياناً بأعيننا، أحياناً بمخيلتنا، أحياناً بجزء صغير من عقلنا، أحياناً بالطريقة التي نريدها، أحياناً بالطريقة التي يريدها الكتاب، وأحياناً نقرأ بكل خلية في كياننا. خلال فترة معينة من شبابي سخّرت نفسي تماماً لقراءة الرواية، كنت أقرأ الروايات باهتمام ـــ وحتى أني كنت أقرأ وأنا مبتهج. خلال تلك السنوات، من عمر الثامنة عشرة إلى عمر الثلاثين (من 1970 إلى 1982)، أردت وصف ما يحدث في رأسي ونفسي، الطريقة التي يصور بها الرسام بدقة ووضوح مشهد حي، ومعقد، وحيوي مليء بجبال، سهول، صخور، غابات وأنهار.

ماذا يجري في عقولنا، في أرواحنا، عندما نقرأ رواية ؟ كيف تختلف هذه الأحاسيس الداخلية عن ما نشعر به عندما نشاهد فيلم، أو ننظر إلى لوحة، أو نصغي إلى الشعر، حتى لو كان شعراً ملحمياً؟ من وقت لآخر، تمنحنا الرواية نفس المتعة التي تمنحها لنا السيرة، الفلم، الشعر، اللوحة أو الحكاية. في الحقيقة، أن التأثير الفريد لهذا الفن يختلف جوهرياً عن الأنواع الأدبية الأخرى، الفلم وفن الرسم. أستطيع أن أُظهر هذا الأختلاف من خلال الحديث عن أشياء أستخدمها وأوقظ الصور المعقدة بداخلي عندما كنت أقرأ بحماسة الروايات في شبابي.

مثل زائر المتحف الذي يرغب بالدرجة الأولى وقبل كل شيء الترفيه عن حاسة البصر وهو يتأمل لوحة، أُفضّل الصراع، التأثير، والثراء في المشهد. أستمتع كثيراً بشعور مراقبة  الحياة الخاصة لشخص ما في الخفاء واكتشاف الزوايا المظلمة لعموم المشهد. ولكني لا أريد أن أترك عندك انطباع بأن الصورة التي قبضت عليها في داخلي كانت دائماً مضطربة. عندما كنت أقرأ الروايات في شبابي، يظهر أحياناً مشهد هادئ وعميق في داخلي. وأحياناً أخرى تنطفئ الأضواء، الأسود والأبيض يبدوان أكثر وضوحاً ومن ثم ينفصلان عن بعضهما، وتتحرك الظلال. أحياناً يدهشني الشعور بأن كل العالم كان مصنوع من ضوء مختلف تماماً. وأحياناً ينتشر الغسق ويغطي كل شيء، الكون كله يصبح عاطفة فردية وأسلوب فردي، وأرغب في فهم متعتي بذلك وأشعر بأني كنت أقرأ  الكتاب من أجل هذا الجو الخاص. وبينما كنت أذوب في عالم الرواية تدريجياً، أدرك بأن صور الأحداث التي فعلتها قبل فتح صفحات الرواية، وأنا أجلس في بيت عائلتي القديم في حي بشيكتاش في إسطنبول ـــ كأس الماء الذي شربته، الحديث الذي جرى بيني وبين أمي، الأفكار التي دارت في رأسي، الإستياء الطفيف الذي كتمته ــــ تتلاشى ببطء.

أشعر بأن الكرسي البرتقالي الذي كنت أجلس عليه، رائحة التبغ الكريهة في منفضة السجائر إلى جانبي، السجادة على الأرض، الأطفال وهم يلعبون كرة القدم في الشارع ويصرخون إلى بعضهم البعض، صفّارات العبّارات من بعيد تهرب من عقلي، وعالم جديد يكشف نفسه، كلمة كلمة، جملة جملة، أمامي. بينما أقرأ صفحة بعد صفحة، يتبلور هذا العالم الجديد أكثر فأكثر، ويصبح أكثر وضوحاً، تماماً مثل الرسومات التي تظهر ببطئ عندما يُصب الكاشف عليها، والخطوط، الظلال، الأحداث والشخصيات يدخلون حيز التركيز. أثناء لحظات الدخول تلك إلى عالم الرواية، كل شيء يُعطل دخولي، ويؤخر ذاكرتي وتصوري للشخصيات، الأحداث والمواضيع سوف يضايقني ويزعجني. أن أنسى درجة القرابة لقريب بعيد بالنسبة للبطل الحقيقي، المكان الغامض للدُرج الذي فيه المسدس، أو الحوار الذي فهمت أنه يحمل معنى مزدوج لكن المعنى الثاني لا أستطيع فك رموزه ـــ كل تلك الأشياء تزعجني جداً. وبينما عيناي تدقق في الكلمات بنفاذ صبر، كنت أتمنى، بمزيج من اللهفة والمتعة، أن كل شيء سيأخذ مكانه الصحيح فوراً. في مثل تلك اللحظات، كل أبواب أدراكي  تُشرَع على مصراعيها، مثل مشاعر حيوان خجول أطلقوه في بيئة غريبة تماماً عنه، وعقلي يبدأ العمل بسرعة أكبر، أكون تقريباً في حالة من الذعر. عندما أضع كامل تركيزي على تفاصيل الرواية التي أمسكها بيدي، لكي أتوافق مع العالم الذي دخلت فيه، أبذل قصارى جهدي لتصور الكلمات  في مخيّلتي وتصور كل شيء وُصف في الكتاب.

بعد مرور بعض الوقت، يُسفر هذا الجهد والتعب المضني عن النتائج، والمشهد الواسع الذي أود مشاهدته سوف يُفتح أمامي، مثل قارة عظيمة تظهر بكل حيويتها بعد أن  ينجلي الضباب. عندها يمكنني أن أرى الأشياء التي تتحدث عنها الرواية، مثل شخص يحدق ببساطة من النافذة ليرى المشهد. قراءة وصف  تولستوي في ” الحرب والسلام”  للطريقة التي راقب فيها بيريه معركة بورودينو من قمة التل، يعتبر هذا الوصف بالنسبة لي مثل نموذج لقراءة الرواية. الكثير من التفاصيل التي نشعر بها في الرواية تحاك بدقة وتجهز لنا، ونشعر بحاجة إلى امتلاك مساحة في ذاكرتنا أثناء القراءة، تبدو كل التفاصيل في هذا المشهد كما لو أنها في لوحة. تراود القارئ فكرة أنه غير موجود بين كلمات الرواية ولكنه يقف أمام لوحة لمنظر طبيعي. هنا تكمن الصعوبة، في اهتمام الكاتب بالتفاصيل البصرية، وقدرة القارئ على تحويل الكلمات  إلى مشهد طبيعي كبير عن طريق التخيّل. إلى جانب ذلك أيضاً نحن لا نقرأ الرواية التي تقع أحداثها الفعلية في مشاهد واسعة، في ساحات المعركة أو في الطبيعة، لكن الروايات التي تقع أحداثها في الغرف، في أجواء داخلية قمعية ـــ “التحوّل” لكافكا مثال جيد على ذلك ـــ ونقرأ مثل هذا النوع من القصص تماماً كما لو أننا ننظر إلى لوحة، ومن خلال تحويلها في مخيّلتنا إلى لوحة، نعوّد أنفسنا على أجواء المشهد، نسمح لأنفسنا بالتأثر به، وفي الحقيقة نحن نبحث عنه باستمرار.

أسمحوا لي أن أقدم لكم مثالاً آخر، ومن جديد تولستوي، حيث يتعامل المشهد مع فعل التحديق عبر النافذة ويوضّح كيف يمكن للمرء دخول أرض الرواية أثناء القراءة. المشهد من أعظم رواية كُتبت على الأطلاق، “آنا كارنينا”. آنا ألتقت عن طريق الصدفة بفرونسكي في موسكو. في طريق عودتها في قطار سانت بطرسبرغ ليلاً، مسرورة  لأنها سترى ابنها وزوجها في اليوم التالي. (المقطع مأخوذ من أصدار دار القلم- بيروت):

“آنا أخرجت من حقيبتها كتاباً باللغة الإنكليزية وقاطعاً للورق، ثم طلبت من خادمتها أن تنير المصباح وتعلقه وراء ظهرها. ولم تستطع في أول الأمر أن تسترسل في القراءة، فقد كانت الضجة واللغط شديدين لدرجة تعذر معها على آنا أن تركز أفكارها في المعاني. وأنساب القطار في سيره السريع فأستحوذ على إنتباهها ندف الثلج المتلاطم بزجاج النافذة، وأنصتت أخيراً لما كان يقال عن العاصفة الثلجية الهوجاء التى تزأر غضبى في الخارج.

ومضى الوقت وآنا لا تقرأ، والأسباب التي تبعد بينها وبين الكتاب واحدة لا تتبدل. وعزمت في النهاية على ما عجزت عنه طويلاً، فأقبلت على الكتاب تتصفحه ففهمت كلامه، ولكنها كانت تطالع كارهة. فهي حينما قرأت أن بطلة القصة كانت تُمَرض رجلاً سقيماً، ودت لو كانت تتحرك بهدوء في غرفة رجل برحت به العلة، وهي حينما تقرأ عن عضو في البرلمان يلقي خطبة مستفيضة، هفت نفسها إلى الإقتداء به في إلقاء الخطبة، وهي حينما قرأت عن غادة أذهلت الناس بجرأتها، خيل إليها إنها في نفسها تلك الحسناء الجسورة. ولكنها لا تفعل شيئاً، ولن تسنح لها فرصة القيام بأي عمل. ولكنها لا تستطيع أن تعمل شئ وبينما يداها الصغيرتان تمسك بقاطع الورق، أجبرت نفسها على الأستمرار في القراءة.”

آنا لم تتمكن من القراءة لأنها تفكر بفرونسكي، لأنها تريد أن تعيش. لو أنها تمكنت من التركيز على روايتها، ستتخيل ببساطة السيدة ماري وهي تمتطي فرسها وتتبع قطيع من الكلاب. ستتصور المشهد كما لو أنها تحدق من خلال نافذة القطار وستشعر بنفسها تدخل هذا المشهد الذي تلاحظه من الخارج ببطئ.

معظم الروائيين يشعرون بأن قراءة الصفحات الأولى من الرواية يشبه دخول لوحة منظر طبيعي. دعونا نتذكر كيف بدأ ستندال “الأحمر والأسود”. في البداية نرى بلدة فريرس من بعيد، نرى التل الذي تقع عليه، البيوت البيضاء ذات السقوف المدببة المصنوعة من القرميد الأحمر، صفوف من أشجار الكستناء المُزهِرة، وأطلال حصن البلدة. نهر الدوبس يجري تحته. ثم نلاحظ الطواحين والمصانع التي تنتج الأقمشة الملونة.

في الصفحة التالية سوف نتعرف على العمدة، إحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية، وسنحدد ملامحه. المتعة الحقيقية في قراءة الرواية تبدأ من قابلية رؤية العالم ليس من الخارج، ولكن من خلال عيون الشخصيات التي تستوطن ذلك العالم. عندما نقرأ رواية،  فأننا نتأرجح بين المشاهد الطويلة واللحظات الخاطفة، بين الأفكار العامة والأحداث الخاصة، بسرعة لا يمنحها لنا أي نوع أدبي آخر. وبينما نحدق من بعيد إلى لوحة المشهد، نجد أنفسنا فجأة وسط أفكار شخص ما في المشهد والفروق البسيطة في المزاج الشخصي. يشبه ذلك الطريقة التي نشاهد بها جسم بشري صغير صوّر مقابل صخور، أنهار وأشجار مورقة في لوحات المناظر الطبيعية الصينية: نحن نُركّز على ذلك الجسم، ومن ثم نحاول أن نتخيّل المشهد الذي يحيط به من خلال عينيه ( اللوحات الصينية صُممت لكي تُقرأ بهذا الأسلوب). وبالتالي ندرك أن المشهد قد تم تركيبه ليعكس أفكار، عواطف وتصورات الجسم في داخله. وبطريقة مماثلة، عندما نشعر بأن المشهد داخل الرواية هو امتداد، جزء من الحالة النفسية لشخصيات الرواية، ندرك بأننا اندمجنا مع هذه الشخصيات بانتقال سلس. قراءة الرواية تعني هذا، بينما نحتفظ بالسياق العام في الذاكرة، نتبع أفكار وأفعال الشخصيات واحدة تلو الأخرى وننسب المعنى لهم داخل المشهد العام. نحن الآن داخل المشهد الذي كنا نحدق فيه من الخارج منذ فترة قصيرة: بالأضافة إلى رؤية الجبال في عقلنا، نشعر ببرودة النهر ونشم رائحة الغابة، نتحدث إلى أبطال الرواية ونشق طريقنا بعمق أكبر في عالم الرواية. لغة الرواية تساعدنا على دمج هذه العناصر البعيدة والمتميزة، ونرى وجوه وأفكار الشخصيات كلاهما كجزء من رؤية فردية.

عقولنا تعمل بكل نشاط كلما تعمقنا أكثر في الرواية، لكن ليس مثل عقل آنا وهي تجلس في قطار سانت بطرسبرغ الصاخب المغطى بالثلج. نتأرجح باستمرار بين المشهد، الأشجار، الشخصيات، أفكار الشخصيات والأشياء التي يُلامسونها ــ من الأشياء إلى الذكريات التي يستحضرونها، إلى شخصيات أخرى، ومن ثم إلى أفكار عامة. عقلنا وأدراكنا يعملان باهتمام مع سرعة وتركيز، وينفذان العديد من العمليات في نفس الوقت، لكن أغلبنا لم يعد يدرك حتى بأننا ننفذ كل هذه العمليات. تماماً مثل شخص يقود السيارة، يدفع بدون وعي كل أزرار التشغيل، يضغط برجله على الدواسات، يدير بكل دقة السيارة تبعاً للعديد من القواعد، يقرأ أشارة المرور ويفسرها، ويراقب حركة المرور بينما يقود السيارة.

هذا التشابه مع سائق السيارة لا ينطبق على القارئ فحسب، ولكن على الروائي أيضاً. بعض الروائيين لا يدركون الأساليب التي يستخدمونها، هم يكتبون بعفوية، كأنهم يقومون بعمل طبيعي تماماً، بلا وعي للعمليات والحسابات التي ينفذونها في رأسهم وإلى حقيقة أنهم يستخدمون العتلات، الفرامل، والأزرار التي زودهم بها الأسلوب الروائي. دعونا نستخدم كلمة  ” ساذج” لوصف هذا النوع من الأحساس، هذا النوع من الروائيين وقرّاء الرواية ـــ أولئك الذين لا يشغلون أنفسهم بالجوانب الفنية لكتابة وقراءة الرواية. ودعونا نستخدم كلمة  “حساس” لوصف الأحساس المعاكس تماماً: بكلام آخر، القرّاء والكُتّاب المفتونون بتصنع النص وعجزه في تحقيق الواقع، والذين يولون اهتماماً كبيراً للأساليب التي يستخدمونها في كتابة الروايات والطريقة التي تعمل بها عقولنا عندما نقرأ. أن تكون روائياً هو الابداع في أن تكون ساذجاً وحساساً في الوقت نفسه.

أو يكون ساذج و”حساس”. فريدريش شيلر كان أول من أفترض مثل هذا الفرق، وكان ذلك في مقاله “عن الشعر الساذج والحساس” (1796-1795). الكلمة الألمانية (Sentimentalisch)، التي أستخدمها شيلر ليصف شعراء العصر الحديث، العقلانيون، المضطربون، الشعراء الذين فقدوا شخصيتهم الطفولية وسذاجتهم، تختلف قليلاً في المعنى عن كلمة  “sentimental ” نظيرها في اللغة الإنكليزية. ولكن دعونا لا نتوقف كثيراً عند هذه الكلمة، والتي أستعارها شيلر على أي حال من اللغة الإنكليزية، متأثراً برحلة لورانس ستيرنس العاطفية بين فرنسا وإيطاليا أو “رحلة عاطفية خلال فرنسا وإيطاليا” (قائمة لأمثلة من العباقرة الساذجين والطفوليين، يذكر شيلر بكل تقدير ستيرن، جنباً إلى جنب مع أسماء أخرى مثل دانتي، شكسبير، ثيرفانتس، غوته وحتى دورر). بالنسبة لنا يكفي أن نلاحظ بأن شيلر أستخدم الكلمة sentimentalisch  لوصف حالة العقل الذي  انحرف عن بساطة  وقوة الطبيعة وأصبح محصوراً جداً في عواطفه وأفكاره الخاصة. هدفي هنا هو الوصول إلى مفهوم أعمق لمقال شيلر، المقال الذي شُغفت به منذ شبابي، وفي نفس الوقت توضيح أفكاري حول فن الرواية من خلال مقال شيلر (فعلت ذلك دوماً) وللتعبير عنها بدقة ( وهذا ما أسعى لفعله الآن).

في هذا المقال المشهور الذي وصفه توماس مان على أنه “أجمل مقال في اللغة الألمانية”، قَسّم شيلر الشعراء إلى مجموعتين: الساذجين والحساسين. الشعراء الساذجين متوحدين مع الطبيعة، في الحقيقة، هم يشبهون الطبيعة ـــ هادئة، قاسية وحكيمة. يكتبون قصيدتهم بكل عفوية، وتقريباً بدون تفكير، بدون قلق من أي تبعات فكرية أو أخلاقية لكلماتهم وبدون اهتمام لما قد يقوله الآخرين. بالنسبة لهم ــــ وعلى النقيض من الكُتّاب المعاصرين ـــ الشعر أحساس أوجدته الطبيعة فيهم على عجل بطريقة عضوية تماماً، وهذا الأحساس لن يتخلى عنهم على الأطلاق. الشعر يأتي بشكل عفوي للشعراء الساذجين، قادم من الكون الذين هم جزء منه. الأعتقاد بأن القصيدة ليست شيئاً مدروساً ووضع بتعمد من قبل الشاعر، تتألف من وزن شعري معين وتتشكل بواسطة المراجعة المستمرة والنقد الذاتي للشاعر، ولكن بالأحرى القصيدة هي شيء ما ينبغي أن يُكتب بدون تأمل وربما تكون قد  دوِنت من خلال الطبيعة أو الله، أو أي قوة خارقة أخرى ــ وهذا تصور رومانسي وضعه كولريدج، وهو تابع مخلص للشعراء الألمان الرومانسيين، وكان ذلك واضحاً في مقدمة قصيدته ” قوبلاي خان” عام 1816، حيث بَيّن بشكل لا لبس فيه هذا الأعتقاد ( كا، بطل روايتي ” ثلج”، كتب قصائده متأثراً بكولريدج وشيلر، وبنفس الرؤية الساذجة عن الشعر). في مقال شيلر، الذي يثير فيّ الكثير من الدهشة في كل مرة أقرأه، هناك صفة بين الصفات المميزة للشاعر الساذج أود الأشارة أليها بشكل خاص لأهميتها: الشاعر الساذج لا يشك بأن كلماته، تعبيره وأبيات قصيدته قد صوّرت المشهد العام، وبأنها سوف تمثله، وبأنها وصفت وكشفت الجملة للعالم بشكل دقيق وتام ــ منذ أن أصبح المعنى ليس مخفياً ولا حتى بعيداً عنه.

 من ناحية أخرى، ووفقاً لــشيلر،  الشاعر الحساس (المتأمل، العاطفي)  قلق، وقبل كل شيء:  هو غير  متأكد ما إذا كانت كلماته سوف تحيط بالواقع، ما إذا كانت كلماته ستحقق الواقع، ما إذا كان تعبيره سيوصل المعنى الذي يريده. هو واعي جداً من القصيدة التي يكتبها، ومن الطرق والأساليب التي يستخدمها، ببراعة أثرت في مسعاه. الشاعر الساذج لا يُميّز كثيراً بين فهمه للعالم، والعالم نفسه. لكن الشاعر العاطفي ـــ المتأمل المعاصر يشكك في كل شيء يلاحظه، ويشكك حتى في مشاعره. وهو قلق بشأن المبادئ التربوية، الأخلاقية والفكرية عندما يصب تصوراته في قصيدته.

شهرة شيلر وحسب رأيي الخاص، مقاله المثير، شكّلا مصدراً يُغري كل من يريد معرفة العلاقة بين الفن، الرواية والحياة. في شبابي قرأت المقال مرة بعد أخرى، وكنت أفكر في الأمثلة التي أقترحها المقال، طبقات الشعراء الذين تحدث عنهم، والفرق بين الكتابة التلقائية من جهة والكتابة المدروسة والواعية بواسطة العقل من جهة أخرى. عندما أقرأ المقال، فمن الطبيعي أن أفكر بنفسي أيضاً ككاتب رواية وبالمشاعر المختلفة التي تنتابني أثناء كتابة الروايات. وأفكر مجدداً بكل ما شعرت به قبل بضع سنوات أثناء عملي على لوحاتي. منذ السابعة وحتى سن الثانية والعشرين من عمري كنت أرسم بشكل مستمر وأحلم بأن أكون رساماً في يوماً ما، لكني بقيت رساماً ساذجاً وهجرت الرسم، ربما بعد أن أصبحت مدركاً  لذلك. في ذلك الوقت، أيضاً، فكرت بما أسماه شيلر ” الأحساس الشعري” على أنه فن وأدب بالمعنى العام. هذا ما سأفعله الآن في هذه المناقشات، تماشياً مع روح وتقاليد محاضرات نورتون ” Norton Lectures”. مقال شيلر الكثيف والمثير سوف يوجهني بينما أفكر في الإبداع الروائي، وذكرني دائماً بـشبابي، الذي كان يتأرجح بهدوء بين “الساذج” و “الحساس”.

في الحقيقة، هناك نقطة مهمة في مقال شيلر وهي أنه لا يتناول فقط الشعر أو الفن والأدب عموماً، ولكنه أصبح نصاً فلسفياً عن أنواع البشر. وعند هذه النقطة، عندما يصل النص إلى ذروته الدرامية والفلسفية، أستمتع بقراءة الأفكار ووجهات النظر الشخصية بين السطور. عندما قال شيلر: ” هناك صنفان مختلفان من البشر.” كان يريد أيضاً أن يقول، وفقاً للمؤرخين الألمان: ” أولئك الساذجون مثل غوته، و الحساسون مثلي!” لأن شيلر لا يحسد غوته على موهبته الشعرية فحسب، ولكن يحسده أيضاً على نقاءهِ، عفويته، أنانيته، ثقته بنفسه ونزعته الأرستقراطية; على الأسلوب الذي يأتيه بدون جهد بأفكارٍ رائعة وعظيمة، يحسده لقدرته على أن يكون نفسه، على بساطته، تواضعه وعبقريته، وعلى عدم أدراكه لكل ذلك، مثل فهم الأطفال تماماً. على النقيض من غوته، كان شيلر أكثر تأملاً وعقلانية، أكثر تعقيداً، ومستغرق تماماً في نشاطه الأدبي، وأكثر وعياً من أدواته الأدبية، مليء بالأسئلة والشكوك نحوها ــــ ويشعر بأن هذه الصفات والمميزات كانت أكثر”عصرية”.

عندما قرأت مقال شيلر “عن الشعر الساذج والحساس” منذ ثلاثين عاماً، أنا أيضاً ـــ تماماً مثل شيلر ممتعظ من غوته ــــ أتذمر من سذاجة، وطفولية الروائيين الأتراك من الجيل السابق. الروائيون الأتراك كتبوا رواياتهم بسهولة، بدون قلق حول مشاكل الأسلوب والأداء الفني. وأنا ربطت مصطلح ” ساذج” (الذي لازلت أستخدمه بمفهومه السلبي) ليس فقط بهم، ولكن بكل الكتّاب في العالم الذين اعتبروا رواية القرن التاسع عشر البلزاكية (نسبة إلى بلزاك) واقعاً طبيعياً لاجدال فيه. الآن، وبعد مغامرتي التي دامت خمسة وثلاثين عاماً في كتابة الرواية، أُحب أن أستمر مع أمثلتي الخاصة، حتى عندما أحاول اقناع نفسي بأني قد وجدت توازناً بين الروائي الساذج والروائي الحساس في داخلي.

فيما مضى، عند مناقشة العالم المصور في الروايات، أستخدمت التماثل في المشهد.  قلت أن البعض لا يدركون ماذا يحدث لهم عندما يقرؤن الروايات، وشبّهتهم بسائقي السيارات الذين لا يعون الأفعال التي يُنّفذونها أثناء قيادتهم السيارة. الروائي الساذج والقارئ الساذج يشبهان الناس الذين يعتقدون بصدق بأنهم يفهمون المشهد والناس الذين يرونهم من النافذة عندما تتحرك السيارة في المشهد. ومنذ أن صدق هذا الصنف من الناس بقوة المشهد الذي يمكنهم أن يرونه من خلال نافذة السيارة،  قد يبدأون الحديث عن الناس ويصدرون احكاماً تستفز حسد الروائي الحساس ـــ المتأمل. من ناحية أخرى، الروائي الحساس ـــ المتأمل سوف يقول بأن المشهد من نافذة السيارة مقيد بأطار، وأن الزجاج الأمامي قذر، وسوف ينسحب إلى الصمت البيكتيني. أو، سوف يفعل مثلي ومثل الكثير من كُتّاب الرواية المعاصرين، سوف يتصور المقود، العتلات، المفاتيح، زجاج النافذة القذر والدواسات كجزء من المشهد، وبهذا سوف لن ننسى أن ما نراه مقيّد بوجهة نظر الرواية.

لكن قبل أن نمضي في المتجانس والمظلل من خلال مقال شيلر، دعنا نعدد بعناية أهم المهام التي نقوم بها أثناء قراءة الرواية. قراءة الرواية دائماً تتطلب هذه السلوكيات، لكن فقط الروائيين ” الحساسين” يمكنهم معرفتها وتدوينها بدقة. مثل هذه القائمة سوف تذكرنا بماهية الرواية بالفعل ــ شيء نعرفه، لكن ربما نسيناه.  وعلى ذلك، دعونا نستعرض العمليات التي يقوم بها عقلنا عندما نقرأ الرواية:

 

  1. 1. نتأمل المشهد العام ونتابع القصة. المفكر والفيلسوف الأسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت (Jose Ortega y Gasset) يفترض في كتابه عن “دون كيخوت” (Don Quichot) لـثيربانتس، بأننا نقرأ روايات التشويق والمغامرة، روايات الفروسية، الروايات رخيصة الثمن ( الروايات البوليسية، روايات الحب، روايات التجسس وإلى آخره من الروايات التي قد تضاف إلى هذه القائمة) لمعرفة ما يحدث بعد ذلك، لكننا نقرأ الرواية الحديثة (وهو يعني بذلك ما نطلق عليه في الوقت الحاضر بـ ” الرواية الأدبية”) من أجل أجواءها. وفقاً لـ أورتيغا إي غاسيت، أجواء الـرواية هي شيء ما أكثر قيمة. هي مثل “لوحة مرسومة” وتحتوي على القليل جداً من السرد.

لكننا نقرأ الرواية ــ سواء اشتملت على الكثير من السرد والأحداث، أو لا تحتوي على أي سرد، مثل لوحة ـــ دائماً بنفس الطريقة الأساسية. سلوكنا المعتاد هو تتبع أحداث القصة ومحاولة اكتشاف المعنى، والفكرة الرئيسية المقترحة من خلال كل الأشياء التي تصادفنا في الرواية. حتى إذا كانت الرواية، تماماً مثل لوحة، تَصف العديد من الأوراق المنفردة في شجرة ورقة تلو الأخرى بدون سرد حدث واحد (هذا النوع من المهارة يستخدم في، على سبيل المثال، الرواية الفرنسية الحديثة من قبل آلي روب غريلت أو ميشال بوتور)، نبدأ بتأمل ما يحاول الراوي التلميح له بهذه الطريقة، وأي نوع من القصة ستشكلها كل هذه الأوراق في النهاية. عقولنا تبحث باستمرار عن الدافع، الفكرة، الهدف والمحور السري.

 

  1. 2. نحوّل الكلمات إلى صور في عقولنا. الرواية تحكي قصة، لكن الرواية ليست مجرد قصة. يظهر من القصة عدة مواضيع، وصف، أصوات، حوار، خيال، ذكريات، معلومات بسيطة، أفكار، أحداث، مشاهد وأزمنة. لكي نستمد المتعة من الرواية علينا الأستمتاع بهجر الكلمات وتحويل هذه الأشياء إلى صور في عقولنا. عندما نصور في مخيّلتنا ما تقوله لنا الكلمات (ما تحاول أن تقوله لنا)، نحن القرّاء نكمل القصة. وفي غضون ذلك، نُحفز مخيّلتنا من خلال البحث عن ما يريد الكاتب قوله أو ما يريد الراوي قوله، ما الذي ينوي أن يقوله، ماذا نخمن أن يقول؟ ـــ أو بمعنى آخر، من خلال البحث عن محور الرواية.

 

  1. 3. الجزء الآخر من عقولنا يتساءل كم من التجربة الحقيقة أخبرنا بها الكاتب في هذه القصة، وكم من الخيال.  يلّح علينا هذا السؤال خاصة مع أجزاء الرواية التي تثير لدينا الدهشة، الرعب، والمفاجأة. قراءة رواية يعني تساؤل مستمر، حتى في اللحظات التي نفقد فيها أنفسنا بعمق في الكتاب: كم من الواقع في هذا الكتاب، وكم من الخيال؟ تناقض منطقي موجود بين، فقدان الذات في الرواية والتفكير الساذج بأنها حقيقة من جهة، ومن جهة أخرى، فضول المرء الحساس – المتأمل حول حجم الخيال الذي تحتويه الرواية. لكن الطاقة التي لا تنضب وحيوية الابداع الروائي  تنبع من منطقها الفريد ومن اعتمادها على هذا النوع من الصراع. قراءة الرواية  تعني فهم العالم عن طريق المنطق اللاديكارتي. أعني بذلك القدرة الدائمة والثابتة لتصديق الأفكار المتناقضة في وقت واحد. لهذا، البعد الثالث للواقع يبدأ بالظهور ببطئ في داخلنا: أبعاد العالم المعقد للرواية. عناصر الرواية تتصارع مع بعضها، لكن في الوقت نفسه تكون مقبولة ومعروفة.

 

  1. 4. لا نزال نتساءل: هل الواقع يشبه هذا؟ هل تنسجم الأشياء المروية، المنظور، والوصف في الرواية مع ما نعرفه في حياتنا؟ على سبيل المثال، نسأل أنفسنا: هل يستطيع المسافر في قطار الليل من موسكو إلى سانت بطرسبرغ في عام 1870 أن يجد بسهولة الراحة والهدوء لقراءة رواية، أم أن الكاتب يحاول أن يبين لنا أن آنا مولعة بالكتب لدرجة أنها تحاول القراءة حتى وسط تشويش الضوضاء؟ في جوهر حرفة كتابة الرواية يكمن تفاؤل أساسه أن: المعرفة التي نجمعها من تجاربنا اليومية، إذا ما أعطيت شكلاً مناسباً، يمكن أن تصبح معرفة قيّمة عن الواقع.

 

  1. 5. تحت تأثير هذا النوع من التفاؤل، كلانا يحدد ويستمد المتعة من دقة التشابه، قوة الخيال والسرد، تراكم الجمل، الشعر الغامض والصريح وموسيقى النثر. مشاكل ومتعة الأسلوب ليست في جوهر الرواية، لكنها تقترب جداً منه. أيضاً يمكن تناول هذا الموضوع الجذاب فقط من خلال آلاف الأمثلة.

 

  1. 6. نصدر أحكاماً أخلاقية على اختيارات وسلوكيات أبطال الرواية، وفي نفس الوقت، نُقيّم الكاتب على أحكامه الأخلاقية فيما يتعلق بشخصياته. الأحكام الأخلاقية هي ورطة لا مفر منها في الرواية. دعونا لا ننسى أبداً أن الحصيلة الأفضل لفن الرواية ليس من خلال محاكمة الناس لكن من خلال فهمهم، ودعونا نتجنب التعرض للحكم من خلال منطقة الأدانة في عقلنا. عندما نقرأ رواية، ينبغي أن تكون الأخلاق جزءاً من المشهد، وليست شيء ينبع من أنفسنا ويستهدف أبطال الرواية.

 

  1. 7. عقولنا تُنفذ كل تلك العمليات في وقت واحد، وفي غضون ذلك، نحن فخورون بأنفسنا لأننا اكتسبنا الكثير من المعرفة، العمق والفهم. خاصة بالنسبة للروايات الأدبية الجيدة، العلاقة الوثيقة التي نوطدها مع النص قد تبدو لنا نحن القرّاء مثل نجاح شخصي. الوهم الجميل بأن الرواية قد كتبت فقط من أجلنا ينمو تدريجياً في داخلنا. الأُلفة والثقة التي تولد بيننا وبين الكاتب تساعدنا على التهرب، وتجنبنا القلق الشديد حول أجزاء الكتاب التي لا نستطيع فهمها، أو الأشياء التي نعارضها أو غير المقبولة بالنسبة لنا. بهذه الطريقة، نحن دائماً ندخل في تواطؤ مع الروائي إلى حد ما. عندما نقرأ رواية، جزء واحد من عقلنا منشغل في الحجب، التغاضي، تشكيل، وبناء سلوكيات أيجابية تُشجع هذا التواطؤ. وحتى نتمكن من تصديق القصة، نختار عدم تصديق الراوي مثلما هو يريد لنا ذلك ــ لأننا نريد الاستمرار في قراءة القصة بأمانة،  على الرغم من وجود انتقاد على بعض آراء، ميول وهواجس الكاتب.

 

  1. 8. بينما كل هذا النشاط العقلي مستمر، ذاكرتنا تعمل بشكل مكثف وبدون توقف. ولكي نستطيع أن نستمتع في القراءة ونستمد المعنى من العالم الذي كشفه لنا الكاتب، نشعر بأننا يجب أن نبحث عن محور الرواية السري، وتحقيقاً لهذه الغاية نحاول أن نَخزن كل تفصيل من الرواية في ذاكرتنا، كأننا نحفظ كل ورقة من أوراق الشجرة عن ظهر قلب. تذكر كل شيء عمل شاق، مالم يُبسط ويخفف الكاتب عالمه لمساعدة القارئ الغافل. هذه الصعوبة تحدد لنا أيضاً حدود الشكل الروائي. حجم الرواية يجب أن يسمح لنا من تذكر كل التفاصيل التي نجمعها في عملية القراءة، لأن كل ما نواجهه عندما نتحرك خلال المشهد مرتبط مع كل شئ آخر يصادفنا. في الروايات التي بُنيت بشكل جيد، كل شئ مرتبط ببعضه، وهذه الشبكة من العلاقات تُشكل أجواء الرواية وتشير إلى جهة محورها السري.

 

  1. 9. نحن نبحث عن لغز محور الرواية بكل اهتمام. هذه هي العملية المتكررة التي يقوم بها عقلنا أثناء قراءة الرواية،  سواء كان بشكل ساذج وعفوي، أو بتأمل عاطفي.  ما يُميز الروايات عن أشكال السرد الأدبية هو أنها تمتلك محوراً. أو، لأكون أكثر دقة، تعتمد الروايات على اقتناعنا بأن هناك محور يجب البحث عنه أثناء القراءة. من ماذا يتألف هذا المحور؟ أستطيع القول، من كل شئ يصنع الرواية.  لكن لسبب أو لآخر نفترض أن هذا المحور بعيد عن سطح الرواية، ونتعقبه كلمة بعد كلمة. نحن نتخيّل أن المحور في مكان ما في الخلفية، خَفي، من الصعب تَقصي أثره، غير ملموس، وفي حركة مستمرة. نفترض متفائلين أن دلالات هذا المحور في كل مكان، وأن المحور مرتبط بكل التفاصيل في الرواية، كل شيء يواجهنا على سطح  المشهد الواسع. في محاضراتي سوف أناقش كم هو حقيقي وكم هو متخيّل هذا المحور.

 

لأننا نعلم ـــ أو نفترض ــــ أن الروايات تحتوي على محاور، علينا، نحن القرّاء، أن نفعل مثل الصياد الذي يعامل كل ورقة وكل غصن مكسور على أنه أشارة ويتفحصها عن قرب بينما هو يتقدم عبر المشهد. نحن نتحرك إلى الأمام، نشعر بأن كل كلمة جديدة، موضوع، صفة، شخصية، حوار، تفصيل، وحدث، وكل الخصائص اللغوية أو الأسلوبية  للرواية وحيلها السردية، توحي وتشير إلى شيء آخر مختلف عن ما هو جَلّي وواضح. فكرة أن الرواية تمتلك محوراً سرياً، يجعلنا نشعر بأن الحدث الذي افترضنا عدم صلته بالموضوع قد يبدو مهماً، وبهذا المعنى كل شيء في سطح الرواية قد يكون مختلف تماماً عن ما يبدو. الروايات هي قصص مفتوحة لمشاعر الذنب، الجنون والقلق. أدراكنا للعمق الذي نشعر به أثناء قراءة الرواية، الوهم الذي يغمرنا به الكتاب في عالم ثلاثي الأبعاد، ينبع من وجود المحور، سواء كان هذا المحور حقيقياً أم متخيلاً.

الشيء الأساسي الذي يُميز الرواية عن الشعر الملحمي، رواية القرون الوسطى، أو رواية المغامرة التقليدية هو فكرة المحور.  تقدم الروايات شخصيات أكثر تعقيداً من شخصيات الملاحم، لأن الرواية تركز على الحياة اليومية للناس وتخوض في كل جوانب الحياة اليومية. لكن هذه الصفات والأمكانيات يعود الفضل فيها إلى وجود المحور في مكان ما في الخلفية، وإلى حقيقة أننا نقرأ الروايات من أجل هذا النوع من الأمل. بينما تحكي لنا الرواية  تفاصيل الحياة اليومية المتكررة، أوهامنا الصغيرة، العادات اليومية، والمواضيع المألوفة، نستمر بالقراءة بفضول ـــ وبالتأكيد، بدهشة واستغراب ــــ لأننا نعرف بأنها تشير إلى معنى عميق، لمكان ما مفترض في الخلفية. كل صورة في عموم المشهد، كل ورقة، كل زهرة تصبح مثيرة للأهتمام والفضول لأن هناك معنى يختبئ خلفها.

الروايات تخاطب الأنسان المعاصر، وبكل تأكيد البشرية كلها، والفضل في ذلك يعود إلى حقيقة أنها خيال ثلاثي الأبعاد. تخبرنا الروايات عن التجارب الشخصية، المعرفة التي نكتسبها بواسطة حواسنا، وفي نفس الوقت تزودنا بشئ من الفهم، البديهية،  دليل حول شيء عميق ـــ أو بكلام آخر، المحور، أو ما أسماه تولستوي معنى الحياة (أو أي أسم آخر نشير به إلى المحور) ــ مكان صعب الوصول أليه، نفترض متفائلين أنه موجود. حلم تحقيق معرفة قيّمة وعميقة عن العالم والحياة بدون الحاجة إلى حسابات فلسفية معقدة، أو تحمُل الضغوط الأجتماعية للدين ــــ ونفعل ذلك على أساس تجربتنا الشخصية، واستخدام قدراتنا الفكرية ـــ هي أُمنية عادلة جداً، وديمقراطية جداً.

بكل حماس ووفاء لهذه الأمنية قرأت روايات بين سن الثامنة عشرة والثلاثين. كل رواية كنت أقرؤها، وأنا أجلس مذهولاً في غرفتي في إسطنبول، كانت تمنحني عالم غني بتفاصيل الحياة مثل أي موسوعة أو متحف، مثل غنى البشرية مثل وجودي، مليئة بالمطالب، المواساة، الوعود التي يقارن عمقها وسعتها مع تلك التي وجدت في الفلسفة والدين. أقرأ الروايات كما لو أني أحلم، أنسى كل شيء من حولي، من أجل جمع المعرفة عن  العالم، من أجل بناء نفسي، وتشكيل روحي.

إدوارد مورغان فورستر (E.M.Forster)، الذي سيظهر من وقت لآخر خلال هذه المحاضرات، يقول في كتاب “جوانب الرواية” (Aspects of the Novel) أن: “الأختبار الأخير للرواية سيكون محبتنا لها.” قيمة الرواية بالنسبة لي، تكمن في قدرتها على  تحفيز البحث عن المحور الذي يمكننا أن نظهره بسذاجة للعالم. بعبارة أوضح: القياس الحقيقي لهذه القيمة يجب أن يكون قدرة الرواية على استحضار الشعور بأن الحياة هي بالتأكيد كما وصفتها الرواية بالضبط. الروايات يجب أن تخاطب أفكارنا الأساسية عن الحياة، ويجب أن تُقرأ على أمل أن تحقق ذلك بالفعل.

النوع الأدبي الأفضل الذي يناسب روح وشكل الرواية، هو “رواية التنشئة” (Bildungsroman*)، بسبب التركيب الذي يصلح لبحث واكتشاف المعنى المبطن أو القيمة المفقودة. “رواية التنشئة” التي تُركز على تشكيل، تعليم، ونضج الشخصيات الشابة عندما يتعرفون على العالم. في شبابي، دربت نفسي من خلال قراءة مثل هذا النوع من الكتب (“مدرسة الحب” لـ فلادبرت، “الجبل السحري” لـ مان). تدريجياً حصلت على معرفة أساسية وضحت محور الرواية ـــ معرفة حول أي نوع من المكان هو العالم،  وعن طبيعة الحياة، ليس فقط في المحور ولكن في كل مكان من الرواية. ربما يحدث هذا نتيجة أن كل جملة في الرواية الجيدة تُلامس فينا شعور الاكتشاف، المعرفة الجوهرية عن معنى الوجود في هذا العالم وطبيعة هذا الشعور. تعلمت أيضاً أن رحلتنا في هذا العالم، حياتنا التي نقضيها في المدن، الشوارع، البيوت، الغرف والطبيعة، ليست سوى رحلة بحث عن معنى غامض قد يكون أو لا يكون موجوداً.

في هذه المحاضرات، سوف نبحث عن كيفية تمكن الرواية  من تَحمُل كل هذه الأعباء. تماماً مثل بحث القرّاء عن المحور عندما يقرؤن الرواية، أو بحث بطل الرواية الشاب الساذج في  “رواية التنشئة”(*Bildungsroman) عن معنى الحياة بكل صدق، ثقة، وأيمان. المشهد الواسع الذي نتحرك فيه سوف يأخذنا إلى الكاتب، إلى فكرة الرواية والتخيّل، إلى شخصيات الرواية، إلى حبكة القصة، إلى مشاكل العصر، إلى المواضيع، إلى المشاهدة، إلى المتحف وإلى أماكن لم نتمكن لحد الآن من مشاهدتها ـــ ربما هذا ما يحدث بالضبط في الرواية الحقيقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*Bildungsroman: مصطلح ألماني يستخدم في النقد الأدبي، وهو نوع أدبي يُركز على النمو النفسي والمعنوي لبطل الرواية من مرحلة الشباب إلى البلوغ (سن الرشد). أشتهر المصطلح في الثلث الاخير من القرن الثامن عشر.

 

رأي واحد حول “الروائي الساذج والحساس

اضافة لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: